أصحاب دور النشر والمطابع: «داخلين المعرض واحنا كلنا خسرانين»

كتب: محمد سعيد

أصحاب دور النشر والمطابع: «داخلين المعرض واحنا كلنا خسرانين»

أصحاب دور النشر والمطابع: «داخلين المعرض واحنا كلنا خسرانين»

يعيش أصحاب دور النشر والمطابع أزمة حقيقية، قُبيل انطلاق معرض القاهرة الدولى للكتاب، والمقرر له أن يبدأ 27 يناير الحالى، بسبب ارتفاع أسعار جميع مستلزمات الطباعة من ورق وأحبار والغراء الذى يستخدم فى التغليف، وجميع المستلزمات الأخرى التى تدخل ضمن صناعة الكتاب، حيث أثّرت تلك الزيادات على دور النشر التى قلّلت عدد النسخ إلى أقل من النصف، وليس هذا فحسب، بل رفعت ثمن الكتاب أو الرواية على القارئ الذى سيفكر أكثر من مرة قبل شرائه، أو ربما سيتجه إلى الكتب «المضروبة» أو القراءة عبر الإنترنت، وبالتالى ستؤثر تلك الخيارات على أصحاب دور النشر والطباعة الذين يضعون كل آمالهم على معرض الكتاب.

عماد سالم، رئيس مجلس إدارة مؤسسة «يسطرون» للطباعة والنشر، يؤكد أن نوعية الورق التى تستخدم فى الروايات كانت بسعر 170 جنيهاً، ووصلت إلى 480 جنيهاً فى الوقت الحالى، و«علبة الغراء» التى تُستخدم فى تجليد الكتب كانت بـ65 جنيهاً، ووصلت إلى 250 جنيهاً، مشيراً إلى أنها نسبة لا تُعقل وأنه ارتفاع جنونى فى أسعار الورق والأحبار، وستُؤثر تلك الزيادة فى أسعار الكتب بشكل سلبى على دور النشر، وبالتالى معرض الكتاب، منوهاً بأنه بدأ كثير من دور النشر طلب المساهمة من جانب مؤلف الكتاب أو الرواية، لكى يتمكن من نشر كتابه، مضيفاً: «لو مثلاً رواية 200 صفحة تكلفت 20 جنيهاً يبقى إحنا هنبيعها بكام، ودى نهاية الثقافة فى مصر، وأنا باستعجب إزاى الجرايد اليومية بتقدر تصرف على نفسها، وسعر الجورنال ثابت مش بيتغير».

ويوضح «سالم»، أن هذا الموسم هو أسوأ موسم فى مجال الطباعة والنشر، لأنه أصبح يقوم بطباعة 200 نسخة من الكتاب أو الرواية، بدلاً من 1000 نسخة فى العام الماضى، وبعد «تعويم الجنيه» أغرق الصناعة بأكملها، لأن الورق الذى نستهلكه مستورد من إندونيسيا، وتكتفى مصر فقط بتعبئة الورق ولا تصنعه. {left_qoute_1}

وعن توقعه لما سيحدث أثناء فترة معرض الكتاب يقول «سالم»: «إحنا فى المعرض خسرانين قبل ما نبتدى، ولازم أبقى موجود، لأنى لو سبت مكانى فى المعرض السنة دى مش هلاقيه السنة اللى جاية، وكلنا بنشارك من أجل الدعاية فقط، وكمان الإيجار السنة دى زاد عن قبل كده، لأننا كنا دافعين السنة اللى فاتت 5800 جنيه، والسنة دى دفعنا إيجار 7200 جنيه، وكأنهم بيرمونا فى البحر ويقولوا لنا عوموا، والناس هتشارك فى المعرض من أجل الوجود، ليس من أجل الربح، وبقينا عاملين زى المطرب اللى بعدت عنه الأضواء، فقرر يغنى مجاناً، أو على حسابه الشخصى».

وأكد صاحب مؤسسة «يسطرون» أنهم غير قادرين على التغلب على الأزمة، وأنه لا يوجد حل سوى خفض «الدولار»، وأى حلول أخرى ليس لها فائدة، موضحاً أن بعض أصدقائه يملكون دور نشر أوقفوا عملهم بشكل كامل، لأنه يقع على عاتقهم الكثير من الالتزامات بشكل يومى، مضيفاً: «أنا بادفع 15 ألف جنيه للموظفين اللى شغالين والإيجارات والمخازن وغير كده إننا مش بنبيع أصلاً حاجة، ولو تم التوقف عن الإنتاج يبقى ده معناه استمرار فى الخسارة، لأنى عندى التزامات ثابتة»، موضحاً أن هناك تآمراً واضحاً من أجل هزيمة الحركة الثقافية المصرية، وأن صناعة الكتاب «انضربت فى مقتل»، وأن الأكل والشرب يأتى فى أولويات المواطن، قبل شراء الكتاب بسبب ارتفاع سعره.

أم عن مجال «الطباعة» يقول «سالم»: «الإقبال قلّ بشكل كبير بنسبة 80% واللى كان بيطبع عندنا 1000 نسخة، بقى دلوقتى بيطبع 200 نسخة، وفيه ناس مابقتش تنطبع خالص، رغم أنها كانت مواظبة كل سنة، وكانوا بيطبعوا الكتب والروايات القديمة اللى فات عليها 50 سنة، لأنه بعد مرور 50 عاماً يصبح أى ناشر من حقه طباعة الكتاب وتغيير الترجمة والغلاف، والسنة دى بقت كل حاجة على حساب المؤلف»، مشيراً إلى أن السياسات الاقتصادية أثرت بشكل كبير على الثقافة، كما أثرت سلباً فى تراجع عملية النشر».

ويتفق معه شريف بكر، صاحب دار نشر «العربى» للنشر والتوزيع، قائلاً: «سعر الورق زاد بشكل كبير، وده بخلاف الطباعة والأحبار اللى أسعارها زادت جداً وبكده هنزود التكلفة على القارئ، وممكن بسهولة القارئ يستغنى عن الكتاب، لأنه مش سلعة أساسية، ولو كان القارئ داخل بمبلغ يجيب 10 كتب السنة اللى فاتت، دلوقتى المبلغ اللى معاه يجيب 5 دلوقتى، وبجد كل أصحاب دور النشر هيتأثروا، خصوصاً أن المرحلة العمرية اللى بنعتمد عليها هى الشباب من سن 15 - 25 سنة، ودول إمكانياتهم مش كبيرة، وبكده كلهم هيلجأوا للإنترنت أو الكتب المضروبة، واحنا هنخسر كتير».

وأبدى «بكر» غضبه من سوق الكتب المضروبة، موضحاً أن ذلك المجال يبدأ من خلال شخص يشترى نسخة أصلية ويقوم بإعادة طباعتها نسخاً كثيرة، وأنهم أصبحوا حالياً يُحسّنون الجودة، ويقومون ببيع النسخ بأقل من نصف الثمن، لأنه ليس عليهم مصاريف كتصميم الغلاف أو حقوق المؤلف، وليست لديهم مخاطرة مثل أصحاب دور النشر، حيث إنهم يقومون بطباعة الكتاب أو الرواية التى يزداد عليها الإقبال، أما أصحاب الدور فيطبعون أكثر من كتاب أو رواية، ثم ينتظرون نتائجها، وكتاب أو اثنان هى التى تغطى تكاليف باقى الكتب، مضيفاً: «بشكل عام بعد تعويم الجنيه كل الأسعار ارتفعت واحنا دلوقتى داخلين على معرض الكتاب ولازم نطبع الكتب ومفيش فى إيدينا حل تانى غيره، ولا حتى فيه ورق محلى ممكن يحل محل المستورد ولا حتى فيه دعم من الحكومة».

ويؤكد صاحب دار النشر أن الورق عنصر أساسى ويمثل 65% من تكلفة الكتاب، وتمثل الطباعة 25%، وطبيعى أن كل الخامات يرتفع ثمنها بعد تعويم الجنيه، لكنه لا يستطيع رفع سعر الكتاب أو الرواية بنسبة 100%، وبالتالى يتحمّل جزءاً كبيراً من الخسارة حتى يتم بيع الكتاب، لأنه إذا زاد ثمن الكتاب بتلك النسبة لن يشتريه أحد.

ويواجه «بكر» تلك الأزمة عن طريق تقليل عدد النسخ من الكتاب الواحد، موضحاً أنه إذا كان يطبع الكتاب 1000 نسخة فى الماضى، فإنه حالياً يطبع 500 نسخة، وكل دار نشر بدأت تُدبّر عملها حسب الظروف التى تمر بها، وجميعها حلول فردية دون تدخل من جانب الحكومة: «محدش أصلاً باصص علينا».

ويرى صاحب دار «العربى» للنشر أنه يجب على الحكومة تخفيض أسعار الورق للصحف والكتب، وأن تدعم الدولة معرض الكتاب، بالإضافة إلى إمكانية شراء الدولة للكتب ووضعها فى المكتبات المدرسية أو المكتبات العامة: «إحنا منتجاتنا مش عيش ولبن، واللى معاهوش فلوس مش هيشترى الكتاب، واحنا صناعة مهمّشة من جانب الحكومة».

ويشير إلى أنه إذا لم يُغطِ معرض الكتاب هذا العام المصاريف التى تم دفعها لن نجد حلاً سوى تغيير المجال بشكل نهائى، مضيفاً: «دور نشر كتيرة مش هتقدر تستحمل كل ده والكل مستنى معرض الكتاب وكل واحد عايز يبيع الكتب اللى عنده وبعد المعرض يبقى يقرر»، أملاً فى أن يكون هناك إقبال هذا العام على المعرض، والمقياس هو الإقبال على شراء الكتب وليس التوجه إلى المعرض فقط.

وأوضح على العميد، صاحب دار «العميد» للكمبيوتر والطباعة، أن الأزمة بدأت مع بداية «تعويم الجنيه» وارتفاع سعر الدولار، واستغل بعض تجار الورق ومستلزمات الطباعة، وبدأوا فى أساليب الاحتكار، مضيفاً: «الدار عندى كانت بتعمل مش أقل من 150 كتاب أو رواية، وكل واحد فيها مش أقل من 1000 نسخة، لكن دلوقتى بقى بيجى لى 10 كتب وكل كتاب فيها 200 نسخة، وبقت كل دار نشر أو كاتب بيثبت وجوده وخلاص، وأنا كصاحب مطبعة بيبقى ليا فلوس عند دار النشر أو المؤلف، وباخد بس جزء من الفلوس فى الأول أمشى بيه نفسى والباقى باخده أثناء المعرض مع بيع الكتب، لكن دلوقتى ماقدرش أعمل ده علشان خاماتى بقت غالية، وكل ساعة الخامة بسعر مختلف».

ويؤكد «العميد» أن أعلى كتاب تم طبعه هذا العام كان 500 نسخة، وأن دور النشر أصحبت تكتفى بكمية الكتب التى لديها وتطبع فقط الكتب أو العناوين الجديدة، موضحاً: «مفيش شغل خالص، ودلوقتى اللى بيطبع كتاب بيدفع ثمنه، ومابقاش حد قادر يشترى الورق، لأن الرزمة السنة اللى فاتت كانت بـ165 جنيه، والسنة دى وصلت 270، وعلبة الحبر وصلت لـ110 بعد ما كانت بـ50 جنيه السنة اللى فاتت، ومستلزمات الطباعة كلها زادت».

ويحاول صاحب دار «العميد» للكمبيوتر والطباعة، فتح أسواق جديدة والتحدث مع أكثر من دار نشر حتى يخرج بأقل الخسائر، موضحاً أنه يحاول قدر استطاعته عدم رفع تكاليف الطباعة بنفس نسبة زيادة المستلزمات، وأن دور النشر الجديدة التى سيتعاقد معها لطباعة كتبها ستعوض تلك النسبة: «مش قدامنا غير كده، لأنى مش هاقدر أمشى العمالة اللى عندى، لأن ده معناه إنى أعلن إفلاسى، ولازم نرضى بالأمر الواقع وباحاول أزود عدد الساعات فى الشغل كنوع من تقريب النسبة برضه».

ويرى «العميد» أن مصر دولة مستهلكة وليست منتجة فى خامات الطباعة، وأن مصر ليس لديها سوى مصنع واحد كبير للورق فى مصر، وهو «مصنع قنا»، ومصنع آخر وهو «إدفو»، ويعتمد على قش الأرز وجودته رديئة للغاية، أما «مصنع قنا» فإنه يُصدر الورق إلى الخارج، لأنه يشترى اللب من الخارج، لذلك يلجأ إلى تصدير الورق لكى يُوفر عملة صعبة يشترى بها اللب، لأن الورق يُصنَع من اللب وعصارة عصير القصب، بالإضافة إلى قش الأرز.


مواضيع متعلقة