انتخابات غير ديمقراطية

الانتخابات الحقيقية التى نسميها فى العلوم السياسية (انتخابات ديمقراطية) ليست مجرد صندوق الانتخابات والرقابة وإجراء الفرز والعد بشكل صحيح، كما يفهم البعض؛ فالانتخابات عملية لها مراحل ثلاث، ولا يمكن الحكم عليها من خلال جزء صغير منها، وإلا سنكون مثل الذى يصف الفيل بأنه صغير لأنه لا يرى منه إلا الذيل! وباختصار شديد: المرحلة الأولى هى «مرحلة ما قبل الانتخابات»، وتبدأ قبل الانتخابات بشهور، وتتصل بمعايير «حرية الانتخابات»، وأهمها: وضع الأطر الدستورية والقانونية للانتخابات بشكل يحترم مبدأ حكم القانون، أى وضع هذه الأطر بشكل سابق وعدم تغييرها بعد بدء الترشح، والمساواة أمام القانون وعدم التمييز بين المتنافسين، والشفافية والتوافق والرجوع إلى أهل الاختصاص عند وضع هذه الأطر، والتحقق من رضا غالبية القوى السياسية وفئات المجتمع عبر آليات مشاركة فعالة. بجانب وجود ضمانات لاستقلال القضاء، ولحريات الاجتماع والتعبير عن الرأى وعقد المؤتمرات الانتخابية، وضمانات لاحترام مبدأ التنافسية (تعدد المتنافسين وتعدد البرامج)، والأهم هنا هو احتواء هذه الأطر على ما يضمن عدم انحسار الانتخابات فى استقطابات أيديولوجية أو دينية أو قبلية. التسرع بالذهاب للصناديق و«سلق» هذه الأطر الدستورية والقانونية، بوعى أو بلا وعى، نتيجته ما نحن فيه الآن، وهذا أمر حذرنا منه مراراً لأنه متكرر فى الدول التى تعثرت فيها الديمقراطية كروسيا وأوكرانيا والعراق ودول أفريقية. إن معظم معايير حرية الانتخابات لم تتحقق فى انتخابات البرلمان والرئاسة؛ نظراً لانفراد المجلس العسكرى بوضع الأطر الدستورية والقانونية بثغرات استخدمت فى حل المؤسسة الوحيدة المنتخبة بغطاء من المحكمة الدستورية، التى هى جزء من منظومة قضائية تحتاج إلى الكثير من الإصلاحات حتى يمكن اعتبار القضاء مستقلاً، ولا بد من القيام بها قبل الانتخابات، كما تم تغيير هذه الأطر أكثر من مرة، وتجاوزت اللجنة المشرفة اختصاصاتها وتجاهلت قانون العزل، ولم تتضمن هذه الأطر آليات حقيقية لإبعاد القوى السياسية عن الاستقطابات الدينية والأيديولوجية. المرحلة الثانية هى «مرحلة التصويت»، وتتصل بمعايير «نزاهة الانتخابات»، وأهمها: ضمانات حق الاقتراع العام، وحياد اللجنة المشرفة فى كل المراحل (التسجيل والترشح والإشراف والفرز والعد والطعون). هنا توجد عدة مشكلات، كتسجيل المجندين وملايين الأصوات التى أضيفت بتفسيرات لم تكن مقنعة، ومشكلة تشكك الكثيرين فى حياد اللجنة المشرفة؛ فبعض قضاتها أشرفوا على انتخابات مزورة فى عهد المخلوع دون اعتراض من جانبهم، وهناك تشكك فى موقف اللجنة من قانون العزل، بجانب تشددها فى الدعاية مع البعض وتساهلها مع المرشح أحمد شفيق التى ظهرت إعلاناته بالصحف القومية قبل بدء الدعاية وخلال فترة الصمت، بجانب تجاوز المرشح ذاته، وربما تجاوُز آخرين، حجم الإنفاق على الدعاية. وبخلاف هذا فقد توافرت معايير إيجابية كحياد الأمن، وتأمين اللجان، وعمل المراقبين والمندوبين، والإشراف القضائى، ونزاهة علمية الفرز والعد وإعلان النتائج، وغيرها من الأمور الفنية التى تعد مرحلة واحدة فقط من مراحل عملية ممتدة تشترك فيها أطراف عدة كما أوضحنا، بخلاف ما يعتقد البعض، وعلى عكس ما يروج له الإعلام الرسمى والموجه الذى يحكم على الانتخابات من يوم التصويت فقط. المرحلة الثالثة هى «مرحلة ما بعد الانتخابات» أى «فعّالية الانتخابات»، ونتناولها لاحقاً لضيق المساحة.