هل أتاك حديث الجنود؟

رُوِّعت مصر بجرح كرامتها وإهانة الدولة المصرية وسقوط هيبتها باختطاف سبعة جنود مصريين داخل حدودها من قبَل عناصر إرهابية مجرمة يبدو أنها مطمئنة لسلامة العاقبة فى ظل نظام الحكم الحالى، فهى تستشعر الاطمئنان لكونها -الميليشيات الإسلامية- هى العصا الغليظة التى يستعين بها النظام لتأديب مَن يخرج على الرئيس أو نظام الحكم الإسلامى. ألم يعلن أكثر من قيادة تنتمى لهذه التيارات أنهم سيخرجون بالسلاح على الجميع إذا تم الخروج على الحاكم الحالى؟ ألم تهدد هذه الجماعات بحرق مصر إن لم يُعلَن انتخاب مرسى رئيساً؟ إذن -فى تخيل هؤلاء المجرمين- لن يستطيع رئيس الجمهورية التفريط فى عصاه الغليظة -والتى تؤمنه ضد الخروج عليه- وأن يكسرها من أجل سبعة جنود أو حتى من أجل الكرامة المصرية، فالتفريط فى تلك العصا هو انتحار مؤكد للرئيس والنظام الحالى. ويؤكد ذلك هذه الرخاوة غير المسبوقة فى التعامل مع الأزمة، فبعد تصريح الرئيس بالحفاظ على أرواح الخاطفين والمختطفين -لأنه رئيس لكل المصرين- سمعنا العجب، فأعلنت مؤسسة الرئاسة أنه لا تفاوض مع الخاطفين لأنهم مجرمون، وفى ذات الوقت نفت صدور أى قرار باستخدام القوة لتحرير المختطفين!! ماذا نفعل إذن؟ وهل هذا كلام يخرج على لسان مسئولين أو رجال حكم أو رجال دولة؟ ثم رأينا الرئيس يدعو أحزاب المعارضة والسياسيين لمناقشة الأزمة ولا ندرى دور هذه الأحزاب فى حل أزمة تقتضى إما مفاوضة واستجابة لطلبات الخاطفين ووقتها قُل على الدولة السلام وإما تنهى العملية بعمل عسكرى من فرق متخصصة فى تحرير الرهائن ومدربة عليه، وزاد الأمر فدعا رئيس الأزهر والكنيسة ودار الإفتاء ووزير الإعلام والسياحة لبحث الأزمة! فهل يُعتبر هذا غطاء سياسياً لعملية التفاوض؟ وهل للمدنيين وللشيوخ والقساوسة دور فى مثل هذه الأزمة التى تحتاج إلى أجهزة مخابرات وفرق استطلاع ومن بعدها تدخُّل بالقوة المسلحة؟ لا يبدو على الرئيس أنه متعجل فى اتخاذ القرار لأن الأمر -بالنسبة له- غير مزعج، فهناك، وعلى ما يبدو أيضاً، تعاطف من الرئيس مع الخاطفين وشعور بعدالة مطالبهم، فهو لم يتحرر بعد من هذا التعاطف المبنى على اعتقاد أن الجماعات الإسلامية قد ظُلمت كثيراً من ناحية وأن هذه الجماعات هى الحامية له من الناحية الأخرى للمعارضين له -وهم كُثر- وإلا فما تفسير إطلاق سراح والعفو عن متشددين إسلاميين يقضون عقوبات جنائية وبالجملة؟ وليس سراً أن هناك توتراً بين الرئيس وبين القوات المسلحة وإن نفى الرئيس ذلك، وهذه العملية من شأنها إحراج المؤسسة العسكرية باختطاف مجندين تابعين لها، وهذا يدعم موقف الرئاسة فى الحرب الباردة الدائرة بين مؤسسة الرئاسة والقيادات العسكرية، فهذه العملية، وبلا شك، تمثل جرحاً فى كبرياء المؤسسة العسكرية خاصة بعد نشر الفيديو المهين لمصر كلها. ولعلك تلاحظ أن المخطوفين تحدثوا عن أبوّة الرئيس مرسى، وحين أتى ذكر الفريق أول السيسى قالوا -إملاء- «اللى قاعد ع الكرسى». وأُذكّر أنه بعد حاث اغتيال جنودنا الستة عشر فى رمضان الماضى فإن الرئيس أعلن أنه «وبنفسه» يقود العملية نسر وأن التطهير يجرى تحت إشرافه المباشر. ألم يقل هذا؟ والنتيجة بعد عشرة أشهر هى ما نراه اليوم من إهدار لكرامة وهيبة الدولة المصرية، فهل يستطيع الرئيس التنصُّل من المسئولية؟ والحقيقة التى أراها أن الرئيس غير عاجز عن المواجهة والتطهير الفعلى لسيناء من العناصر الإجرامية، بل إنه غير راغب فى ذلك، فلو كانت النية صادقة فى التطهير وهناك إرادة حقيقية لاتخذ الرئيس من هذا الحادث ذريعة وحجة قوية لدكّ حصون الإرهاب، ووقتها سيحظى الرئيس بتأييد شعبى جارف قد يمحو كل ما أقدم عليه الرئيس من أخطاء فى الفترة السابقة، ولكنه وبالتأكيد غير راغب فى ذلك، بدليل هذا التهاون والرخاوة فى حسم الأزمة. والسؤال الذى يطرح نفسه بقوة: هل تسدد مصر من كرامتها وهيبتها ومن أرواح أبنائها فواتير الرئيس الانتخابية؟ إن مصر الآن أمام فرضين لا ثالث لهما: إما أن تفرط الدولة فى كبريائها وهيبتها واحترام جيشها بالاستجابة لطلبات الخاطفين لإطلاق سراح المخطوفين ووقتها لن تكون هناك دولة محترمة، وإما أن يدير الجيش حرباً حقيقية على الإرهاب تراق فيها الدماء للمحافظة على هيبته واحترامه ومعها كرامة مصر والمصريين، وكما قال أمير الشعراء شوقى: «والشرُّ إِن تَلْقَهُ بالخَيرِ ضِقتَ بهِ *** ذَرْعاً وإن تَلْقَهُ بالشرِّ ينحَسِمِ. ونحن جميعاً فى انتظار الحسم.