لا أفهم كيف أن ناقدا كبيرا، يفترض أنه ناقد معروف وله باع طويل، سواء فى كتابة النقد أو السيناريو بالإضافة إلى إحاطته الشاملة بعالم المسرح ودراسته القانون فى «السوربون».. لا أفهم كيف يستهتر بكل هذه البساطة، بتاريخه وقرائه، ومنهم كاتب هذه السطور، ويسمح لنفسه بأن يكتب عن مهرجان لم يحضره ولم يشاهد أفلامه، لأن أفلامه لم تعرض بعد فى أى مكان فى العالم ربما باستثناء حفنة منها عرضت فى العاصمة الفرنسية وقت إقامة المهرجان، ولم يكن الناقد إياه فى باريس وقتها على سبيل اليقين!
كنا فى الماضى السحيق، أى فى العصر «الكربونى» (نسبة إلى ورق الكربون الذى كان يستخدم فى كتابة أصل وعدة صور من المقال الواحد) أى قبل عصر الإنترنت والفضاءات المفتوحة، لا نستطيع أن نفرق كثيرا بين المقال «الأصلى» والمقال «المسروق» أو المقال «المسلوق»، بل كنا نبتلع كل ما تجود به قرائح البعض، خاصة ممن كانوا يسافرون إلى أوروبا ومهرجاناتها السينمائية وغير السينمائية، وكانوا يعودون لكى يكتبوا لنا عن «الجنون والفنون فى أوروبا» مثلا، وأشياء أخرى كثيرة.. إلى أن أتيحت الفرصة لأن نسافر بل ونستقر لسنوات فى أوروبا ونعايش أناسها عن قرب وفنانيها ونعرف أن الفنون ليست جنونا ولا يحزنون، وأن أشياء مثل الرسم على الأرض فى ساحة كوفنت جاردن فى لندن، أو العروض المسرحية فى الهواء الطلق فى إدنبره، ليست بدعا أو من غرائب الطبيعة، بل إبداعات يفرضها المبدع وتصبح من ضمن التقاليد الراسخة التى تحترمها السلطة ويقدرها الجمهور فيما بعد.
أستغرب كثيرا أن يأتى ناقد كبير معروف لكى يكتب دون أن يسافر، ودون أن يشاهد، ويبدى بكل جرأة، الكثير من الآراء الدامغة، بل يسمح لنفسه بتحليل أفلام لم يرها ويستطرد ويستنتج ويصدر أحكامه عليها، وأسأل نفسى فى تعجب: لماذا يريد أن ينهى البعض من الكتاب الذين كانوا موهوبين، حياتهم على هذا النحو، وبهذه الطريقة «الانتحارية»؟!
هل هى الرغبة فى التشبث بما اعتادوا عليه فى الماضى ولم يعودوا قادرين عليه اليوم، لدرجة انتحال صفة الكتابة من مهرجان كف عن التردد عليه منذ سنوات؟
هل هى الرغبة فى اجترار فعل الكتابة أيا ما كانت الكتابة، وهل لا يزال البعض يعيش فى العصر الكربونى، أى يتصور أن لا أحد يدرى ولا يمكنه المراجعة والمطابقة ومعرفة ما هو منقول ومترجم وما هو أصيل؟ وهل ستنجح العملة المزيفة فى إقصاء العملة الأصلية؟
لا أحد يعرف، ولا أحد يسأل، ولا أحد يتوقف ليحاسب ويدقق ويصحح ويحذر، فقد أصبح كل شىء مباحا، وكل شىء للبيع!