الدبلوماسية الفكرية.. زيارة إلى كوسوفو

فى عام 2018 تكون قد مرّت عشرون سنة على اندلاع «حرب كوسوفو»، وعشرة أعوام على «إعلان الاستقلال».

وقد تشرفتُ بزيارة كوسوفو بصحبة النائب السفير محمد العرابى وزير الخارجية الأسبق.. وهى زيارة استغرقتْ ثلاثة أيام.. شهدتْ الكثير من اللقاءات.. والأكثر من الأفكار.

(1)

التقينا فى العاصمة «بريشتينا».. وزير الخارجية ونائب رئيس البرلمان ولجنة الشئون الخارجية.. ورئيس الغرفة التجارية. كما التقينا اتحاد الكتاب ونخبةً من المفكرين والمؤرخين.

وخارج العاصمة زُرنا محافظة «بريزرن» الحدودية مع ألبانيا.. والتقينا العمدة وقيادات مدينة بريزرن.. وزرنا جامعة «بريزرن» وكان الحديث مع رئيس الجامعة وأعضاء هيئة التدريس مفيداً للغاية.. وفى كل تلك المحطات كان فى صحبتنا سفير كوسوفو المتميز فى القاهرة السفير بكر إسماعيل.

تحدثنا فى المكتبة الوطنية فى العاصمة.. والتقينا عدداً كبيراً من الحضور، وزرنا ثلاثة متاحف.

وقد سعِدنا كثيراً بمساحة الحُبّ الأسطورية لمصر والمصريين.. لدى الكوسوفيين ولدى عموم الألبان. يعرف «الألبان» مصر جيداً.. ويعتبر الكثيرون أن أفضل زيارة لهم خارج بلادهم.. هى إلى مصر. وقد اعتادت الأمهات على مدى عقود طويلة أن يغنّين للأطفال أثناء البكاء.. أنهم سيكبرون وسيكونون فى وضع جيد.. وسيزورون مصر.

(2)

كوسوفو بلد رائع.. تقع كوسوفو فى قلب البلقان.. والمسافة منها إلى الدول المجاورة تعادل المسافة بين القاهرة والإسكندرية.. وهى دولة غنية بالتاريخ والثقافة.. كما أنها غنية بالفحم والزراعة.

ساعدتْ مصر شعب كوسوفو أثناء الحرب.. أرسلتْ طائرات إغاثة، وبنتْ مؤسساتٍ تعليميّة وطبيّة.. وتواصلتْ «القاهرة» مع النخبة الكوسوفية والآباء المؤسسين.. دعماً وتقديراً.

(3)

بالنسبة لى.. لم تكن كوسوفو جديدة على قراءاتى.. وحين التقيتُ رئيسة الجمهورية السابقة «عاطفة يحيى أغا» قلتُ لها: أنا أعرفك جيداً.. وأعرف تجربتك فى الحكم. ولمّا التقيتُ النائبة «توتا إبراهيم روغوفا» ابنة الرئيس «إبراهيم روغوفا».. قلت لها: أنا أعرف الكثير عن والدك.. وأعرف رحلته فى النضال السلمى.. كما أننى أعرف مكانته.. كباحث وناقد ومفكر كبير.

قلتُ للأصدقاء فى كوسوفو: إن علاقة بلادنا بصربيا علاقة تاريخية وعميقة.. وقد التقيتُ وزير خارجية صربيا السابق «فوك جيرميك» حين كان مرشحاً لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة.. واستمعتُ منه إلى أفكارٍ جيدة.. ورؤية للسلام الإقليمى والعالمى. ومن المناسب أن يكون للعالم الإسلامى علاقة قوية بصربيا وكوسوفو فى آنٍ واحد.. وأن يدعم الجميع حالة الاستقرار فى هذه المنطقة الساخنة من الكوكب.

(4)

كانت سعادتى لا تُوصف حين وجدتُ عدداً كبيراً من أصدقاء مصر فى محاضرة «المكتبة الوطنية» فى بريشتينا.. التى تولّى مستشار مفتى كوسوفو ترجمتها الفورية.. وعرفتُ أنّه قد أَخَذَ تمكُنه من علوم الدين واللغة العربية من دراسته فى الأزهر الشريف.

ويطيبُ لى أن أقدم هنا.. نصوصاً من المحاضرة التى تشرفتُ بإلقائها فى المكتبة الوطنية فى العاصمة الكوسوفية.. بريشتينا.

«بسم الله الرحمن الرحيم.. السيدات والسادة.. تحية لبلادكم الرائعة وشعبكم الصديق.. من عاصمة التاريخ.. من القاهرة.

السادة الكوسوفيون.. حين اعترفتْ مصر بدولتكم.. قال وزير خارجيتكم: «لقد اعترفتْ أقدم دولة فى العالم بأحدث دولة فى أوروبا».. ولقد سعدتُ بحضور حفل الاستقبال الذى أقامه سفيركم فى القاهرة حين كنت مستشاراً لرئيس الجمهورية.. وما زلتُ أتذكر ذلك الحفل المهم بكل الاعتزاز والتقدير.

إن صورة كوسوفو فى العالم الإسلامى هى صورة الحرب.. إذْ لا يعرف الكثيرون عمّا بعد يوغوسلافيا سوى حرب البوسنة وحرب كوسوفو.. وهى صورة لم تعد مناسبة.. بعد أن تجاوزتْ بلادكم محنة الحرب.. وصارتْ عنواناً على السلاّم. تشكّل كوسوفو الآن نموذجاً للتسامح والعيش المشترك.

السادة الكوسوفيون الحضور.. إن بعض صحافة العالم تتحدث الآن عن ضغوط المتطرفين على بلادكم.. وعن احتمالات كوْنها بوابة لعبور المتشدّدين.. وهى فى معظمها تقارير صحفية غير دقيقة.. وبعضها يحمل موقفاً عدائياً لكم وللإسلام.

لكنكم لا تغفَلون بالطبع أن العالم الإسلامى يواجه حرباً أهلية داخلية على نحو ما أشار عاهل الأردن الملك عبدالله الثانى حين زار كوسوفو.. وتحدث فى عاصمتكم هذه عن مخاطر الحرب الأهلية الإسلامية.. ومخاطر الحرب العالمية للإرهاب.

وإذْ تقوم مصر بدور كبير فى «استعادة الأمل» فى محيطها وعلى اتساع أُمّتها.. وتخوضُ حرباً حضاريةً ضد التطرف والإرهاب.. فإنه يمكن لنا أن نكون معاً.. جسراً حضارياً بين العرب فى أوروبا.. وبين الشرق والغرب.

لقد تحدثتُ فى كتابى «الجهاد ضد الجهاد» عن المعادلة السوداء التى يُراد بها إسقاط حضارتنا: الإسلام ضدّ الإسلام، والإسلام ضدّ العالم.. ولقد سمعتُ معادلة حاسمة للردّ على معادلات الهدم.. وكنت فى صحبة الإمام الأكبر شيخ الأزهر إلى إندونيسيا.. وهى معادلة: الإسلام دين السلام.

تبذل القاهرة جهداً كبيراً من أجل إشاعة السلام بين المسلمين وإشاعة السلام بين كل العالمين.

السادة الحضور.. لقد قدمت الأمة الألبانية لنا قبل مائتى عام هديةً عظيمةً.. إنه الزعيم الكبير محمد على باشا.. ولقد امتدت علاقتنا فى ما بعد صداقةً وأخوةً.. بلا حدود.

لقد تجاوزت مصر أزمات عديدة، وهى تمضى الآن إلى الأفضل.. وفى يناير 2017 اختارت مجلة «الإيكونوميست» مصر من بين أفضل (12) وجهة استثمارية فى العالم، وفى فبراير 2017 قدّر تقرير اقتصادى عالمى مرموق أن موقع مصر سيستقر بين الدول العشرين الأقوى اقتصاداً فى العالم عام 2030، وبين الدول الخمسة عشرة الأقوى اقتصاداً فى العالم عام 2050.

إن مصر التى تواجه تحدياتها بثباتٍ وعزيمةٍ.. بدأت استعادة وظيفتها الحضارية فى منطقتِها والعالم.. عاصمةً للقيم الإنسانية ومركزاً للتعايش والتسامح.

السادة الكوسوفيون.. أمامنا طريق طويل من أجل غدٍ أفضل.. ولكن بريشتينا التى عاشت الكثير من الألم.. تمتلك الآن الكثير من الأمل.

تحية لشعبكم الصديق.. والسلام عليكم».

(5)

كانت هذه سطور عن زيارة.. كانت مناسبة فى الزمان وفى المكان.

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر..