لم تجد إدارة أوباما أفضل منها لتكون العين الرسمية والسحرية أيضاً للولايات المتحدة فى مصر بعد ثورة يناير؛ فطبيعة المرحلة تقتضى وجودها، والقادم لن تجدى معه دبلوماسية مارجريت سكوبى التقليدية ولا تحتاج لعمليات تجميل كتلك التى كانت تجريها دبلوماسية ريتشارد دونى.. إنها مهمة خاصة تستدعى إحضار المرأة الحديدية من باكستان لتأتى إلى القاهرة ومعها أرقام الشفرة لفتح قنوات مختلفة فى الحوار بين أمريكا والتيار السياسى الإسلامى الذى أجمعت عليه بيوت التفكير الأمريكية واعتبرته الحصان الجامح والقادم فى مصر لسنوات مقبلة حتى مع وجود الجنرالات على رأس الإدارة.
إنها «آن باترسون» السفيرة الأمريكية بالقاهرة، وصفتها بعض الكتابات بأنها «سفيرة جهنم» لما كشفته عنها برقيات «ويكيليكس»، ومن بينها أنها ساعدت الباكستانيين على جمع وتنسيق ملفات المخابرات بالدولة، وأجرت توسيعاً للخطط الخاصة بأنشطة المخابرات المشتركة بين باكستان والولايات المتحدة، وذلك قبل مقتل أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة، بعامين.
وشكلت برقيات أخرى ملامح عن شخصية باترسون المخابراتية عندما كانت سفيرة أمريكا لدى كولومبيا وباكستان بأنها قامت بتجنيد بعض الأشخاص العاملين بوسائل الإعلام الأجنبية بتلك الدول فى وكالة الاستخبارات الأمريكية، وأنها ليست بعيدة عن انفجارات وعمل شغب فى هذه البلاد.
وكما تختفى آثار تقدم العمر من على وجهها الذى تجاوز العقد السادس بقليل، تتراجع أيضاً تجاعيدها الدبلوماسية أمام حديثها اللبق؛ فهى تعرف متى وأين وكيف تتحدث، وأدواتها دائما التحرك على الأرض وليس الظهور أمام الكاميرات.
تتعامل معها الخارجية المصرية بحذر، وتصنفها بأنها ثانى أهم وأقدم الدبلوماسيين الأمريكيين بعد بيل بيرنز، نائب وزير الخارجية الأمريكى، الذى قامت بترتيب لقاء له مع الدكتور محمد مرسى فى يناير الماضى ولم يكن وقتها مرشحا لرئاسة مصر وكان هذا اللقاء المباشر هو الأعلى فى المستوى بين الإدارة الأمريكية وجماعة الإخوان المسلمين، أو بمعنى أدق مع الذراع السياسية للإخوان، المتمثلة فى حزب الحرية والعدالة.
ولم يكن هذا اللقاء هو الوحيد فى قنوات الحوار التى فتحتها باترسون بين المؤسسات الأمريكية والنجوم الصاعدة على الساحة السياسية المصرية؛ فمنذ توليها المهمة وإلى الآن كانت جسراً لسيل من الدعوات الأمريكية لمختلف أركان تيار الإسلامى فى مصر، هذا الأمر الذى اعتبره سفير مصر السابق فى واشنطن، نبيل فهمى، عندما تحدثنا معه، أمرا طبيعيا متسقا مع النمط الأمريكى فى التفكير الذى ينظر للغد ويبتعد عن الماضى ولا يترك شيئا للصدفة.
كانت باترسون أنشط سفراء الغرب فى متابعة الانتخابات، واستلهمت فنون الاستراتيجية من زوجها ديفيد، الضابط المتقاعد، واختارت فى الجولة الأولى محافظة الشرقية لتكون موطئ قدمها فى متابعة الانتخابات، ومن الشرقية خرج المتنافسان فى جولة الإعادة: الدكتور مرسى والفريق شفيق، لتثبت أنها من أصحاب الخطوات المدروسة، أما فى جولة الإعادة فكانت مكوكا لا يهدأ بين مختلف الدوائر، غير عابئة بتحذيرات أصدرتها للرعايا الأمريكان فى القاهرة وجددتها مرة أخرى.. تحذيرات ملخصها ومغزاها: «ابتعدوا.. فالقادم قد يحمل دماء».