إعلام سما.. و«الدَّهب» الصينى

منذ شهر أو أكثر قليلاً، كنت والأسرة، فى زيارة لمحلات الذّهب فى الدقى، ومن بين المشغولات التقليدية، فى الشارع الطويل العريض، كان هناك محل «شيك جداً»، يعرض «تشكيلة» تتميز بالتنوع والفخامة.. دخلنا وسألنا صاحبه: «عيار 21 بكام؟»، فردَّ علينا بابتسامة: «نزل لـ600 جنيه بس مش عندنا، لأن كل الدَّهب المعروض فى المحل صينى!».

مساء الاثنين الماضى، كنت أتنقل بين الفضائيات، فإذا بالراقصة سما المصرى، فى مُداخلة مع الزميل الصحفى والإعلامى وائل الإبراشى، على «العاشرة مساء»، تتحدث عن برنامج دينى تستعد لتقديمه فى رمضان، وعن الهجوم عليها وانتقادها لأنها «استعراضية» أو «بتقدم فن» من وجهة نظرها، وأن القناة طلبتها، لأن البرنامج سيحقق مشاهدات عالية وإعلانات.

فى اللحظة التى كنت أغيَّر فيها المحطة، تذكَّرت واقعة «الدّهب الصينى».. الناس قد تجذبها «تشكيلة الصينى» الجميلة، وتخدعها لمعة قشرته وبريقها الكاذب، لكنّ من يبحث عن الجوهر والأصالة والقيمة الحقيقية، لن يشترى إلا المعدن النفيس.

لدىّ قناعة، أنه للحفاظ على قدسية الدين وتدعيماً لأخلاقياته ومكانته وهيبته فى مجتمعاتنا، فإن رجال الدين وعلماءه، سيمتنعون عن الظهور فى مثل تلك البرامج أو المشاركة فيها.. أو هكذا أرجو وأتعشّم، لأن رسالتهم وعظمتها، تُحتم عليهم أن يختاروا بعناية، النافذة التى يقدمون من خلالها المحتوى الدينى والفتوى والنصيحة للجمهور، بينما هذه البرامج أقرب ما تكون فى أهدافها وهيئتها إلى «مسجد ضرار».

واحتراماً لمهنة الصحافة والإعلام، وما لها من خصوصية، كان اختراقها من المُرتزقة سبباً فيما تعانيه من مشاكل وأزمات، أرى من الواجب على زملائى الصحفيين والإعلاميين، مقاطعة برامج «المُستعمرين» والدخلاء على الصحافة والإعلام من غير المتخصصين، بالامتناع عن نشر أيّة أخبار تخصهم أو العمل فى إعداد وأطقم برامجهم، حفاظاً على مكانة المهنة التى ما نال منها وشوه صورتها، إلا أمثال هؤلاء.

أتمنى من مُلاك الفضائيات ورؤسائها وصنّاع الإعلام، الاضطلاع بدورهم فى تقديم «إعلام تنموى» يستهدف تطوير المجتمع وترسيخ الأخلاقيات فيه، وبناء وتثقيف وتوعية الأجيال الجديدة، عبر «الاختصاصيين والمهنيين»، وهو ضرورة لا بدّ منها فى مراحل بناء وتطوير وتنمية الدول، ومصر فى هذا الوقت أحوج ما تكون لـ«الإعلام التنموى»، منها إلى الترفيهى والإيثارى والجدلى، خصوصاً أن أكثر مشاكلنا السلوكية والأخلاقية، سببها المحتوى «الفنكوشى» الذى لا يستهدف إلا زيادة المشاهدات والترافيك، ومن ثم زيادة الإعلانات، ولو على حساب الوطن والدين والأخلاق والعقل والمنطق والعادات والتقاليد والمهنية.

وأخيراً.. أتمنى من الناس، أن يفطنوا ويعوا ما يواجههم، وألا يتيحوا الفرصة لـ«الزبد»، أن يعلو ويربو بمشاهداتهم ومتابعتهم تلك البرامج، لأنّ أوقاتهم أثمن من إهدارها أمام فقرات تستنزف قيمهم وعقولهم، وتنخُر فى غرسهم، وتُقوّض أوطانهم، وتعرقل التنمية والتطور، وإن تنوعت هيئتها وتشكيلتها، وكان لها بريق «قشرة الدّهب الصينى».