دفاعاً عن مصر لا عن فرج فودة (1)

خالد منتصر

خالد منتصر

كاتب صحفي

أكثر من عشرين عاماً مرت على اغتيال المفكر النبيل أيقونة الفكر الحر فرج فودة، أكثر من عشرين عاماً والدم لم يجف والثأر لم يتحقق ولكن ما تحقق هو أن من قتله حر طليق بعفو رئاسى وأن من أشاعوا سموم فكر التكفير وأفرخوا خفافيش التطرف يحكمون ويملكون بل ويوزعون صكوك الإيمان! ما أملكه الآن هو رد اعتبار هذا الرجل على الأقل فكرياً أمام ماكينة شيطانية تديرها ميليشيات الجماعة لتشويه فودة فيما يشبه الاغتيال الثانى له، سأدفع عنه هذه التهم من أجل الحقيقة ودفاعاً عن مصر لا عن فرج فودة: التهمة الأولى هى أخطر هذه التهم وأكثرها مداعبة لعواطف المسلمين وهى رفض فرج فودة لتطبيق الشريعة الإسلامية عموما والهجوم على التجارب الإسلامية المعاصرة وخاصة «السودان»، ورفض فرج فودة لا يدعو للدهشة والاستنكار لأن المسألة ليست مسألة دين بل هى مسألة سياسية بحتة، أو بمعنى آخر هى طرح لقضية سياسية شديدة التخلف والغموض من خلال منطق دينى شديد القبول والوضوح، ولنناقش هذا الاتهام من خلال طرح بعض علامات الاستفهام على المؤلف، أولا: أى شريعة إسلامية تريدون؟ هل هى شريعة باكستان ضياء الحق، أم إيران الخومينى، أم شريعة قلب الدين حكمتيار، المجاهد الأفغانى، أم تراها شريعة نميرى السودان والتى هاجمت فرج فودة حين أعلن رفضه لهذه التجربة فى حين أيدتموها جميعا، بداية من الشيخ الغزالى، الذى قال عنها إنها كانت إلهاما جليلا من الله، حتى الشيخ كشك الذى وصف مهاجميها بكلماته البليغة وأسلوبه المؤدب بأنهم «كلاب تنبح»، مرورا بعبداللطيف حمزة ويوسف القرضاوى والتلمسانى الذى نصح نميرى وقتها بأن يحذر مهاجميه وأن يكبح جماحهم وألا يفسح لهم فى غيهم بحجة حرية المرأة والكلمة، وصلاح أبوإسماعيل الذى قال إن أول عز نالته السودان بسبب تطبيق الشريعة هو أن «عز الدين السيد»، رئيس مجلس الشعب السودانى، ظفر بالثقة العالمية فصار رئيسا للاتحاد البرلمانى الدولى وهذا أكبر دليل على تقدير العالم لتطبيق الشريعة! ولننظر بسرعة إلى هذه التجربة المضيئة والتى تحدث عنها كل هؤلاء بإعجاب وافتخار، طبعا فى البداية نصب النميرى نفسه إماماً وعدّل مواد الدستور لكى تتسق مع تجربته العظيمة، وكانت أول مادة فيه مبايعة الإمام مدى الحياة، واختياره لخليفته بكتاب مختوم، ومن مواده أيضاً لا تجوز مساءلة أو نقض بيعة الإمام واعتبارها خيانة عظمى، والإمام هو الذى يشكل المحاكم الاستثنائية، مع حرمان المتهم من الاستئناف، إلى آخر هذه المضحكات المبكيات، وطبعا تم التهليل لقطع الأيدى والرجم، أما الجوع الذى عض بأنيابه شعب السودان فإنه كان فى رأى مؤيدى التجربة مجرد اختبار يبتلى به المؤمن لامتحان صدق عقيدته واقتناعه بتطبيق الشريعة، وسترد ميليشيات الإخوان بأن هذه ليست الشريعة، وإنما الشريعة هى فى التاريخ الإسلامى المجيد ويقودنا هذا إلى علامة الاستفهام الثانية وهى: هل التطبيق الفورى للشريعة وقتها تبعه صلاح فورى للمجتمع وحل فورى لمشاكله؟ وكانت الإجابة التى قدمها فرج فودة هى بالنفى، وقد قدمها الفقيد بمنطق رائع وحجة دامغة وأمثلة واضحة، فبالرغم من وجود الحاكم المسلم الصالح (عثمان الذى لا يشكك أحد فى تقواه وصلاحه) والرعية المؤمنة (صحابة الرسول وأهله وعشيرته قريبو العهد به وبرسالته) والشريعة (التى كانت بالتأكيد مطبقة).. بالرغم من وجود أضلاع المثلث التشريعى الثلاثة، فإن العدل لم يتحقق ولم يسد الأمن والأمان، إذن فالعدل لا يتحقق بصلاح الحاكم، ولا يسود بتقوى الرعية، ولا يتأتى بتطبيق الشريعة، وإنما يتحقق بوجود ما يمكن أن نسميه «نظام الحكم» أو القواعد التى يقول عنها فرج فودة فى كتابه «الحقيقة الغائبة» ص32، قواعد تنظم المجتمع على أسس لا تتناقض مع جوهر الدين فى شىء ولا تصطدم مع معطيات العصر فى إطارها العام، ويرى الدكتور فرج فودة أنه بوفاة الرسول استكمل عهد الإسلام وبدأ عهد المسلمين بما له وما عليه، أعرف أنكم ستصرخون فينا ما لنا ومالِ عهد المسلمين، فكل أحكام الشريعة لا نستطيع أن نحكم بها إلا فيما يسميه المؤرخون بالعصر الذهبى للإسلام وهى فترة الخلافة الراشدة، والتى استمرت ثلاثين عاما، وإذا وافقنا على أن هذه المدة هى العصر الذهبى فهذه للأسف حجة عليه وليست له، فإذا كان التاريخ الإسلامى لا توجد فيه إلا هذه الثلاثون سنة على مدى 1400 سنة، هنا يكون الحديث عن تطبيق الشريعة حديث سياسة لتخدير العقول وليس حديث دين لإيقاظ المجتمع.