معاشهم فوق الـ1500 جنيه.. لكن «الحياة آخر بهدلة»

كتب: عبدالله عويس

معاشهم فوق الـ1500 جنيه.. لكن «الحياة آخر بهدلة»

معاشهم فوق الـ1500 جنيه.. لكن «الحياة آخر بهدلة»

استيقظ فى السادسة صباحاً، وتناول شيئاً من الإفطار ثم انصرف إلى عمله بهيئة السكة الحديد للمرة الأخيرة قبل إحالته إلى المعاش، يترقرق الدمع من عينيه، وهو يتذكر ذلك اليوم بتفاصيله، وكأنه الأمس رغم مضى 9 سنوات عليه.

داخل شارع الخمسين فى شبرا، يعيش «مجدى» فى شقة بسيطة استأجرها قبل زواجه، ويقضى شهره بمعاش 1800 جنيه، بعد أن كان راتبه يتجاوز الـ3500 جنيه، كموظف فى الحسابات بالهيئة: «كل شىء اختلف، عدا استيقاظى مبكراً وأخذ حمام ساخن ثم تناول الفطور».

يسحب من الدرج بجواره «علبة السجائر»، ويشعل إحداها: «عندى 69 سنة، بعد المعاش جوّزت بناتى الاتنين وعايش مع زوجتى، وباحاول على قد ما أقدر أكمل حياتى بشكل محترم»، يشير إلى صورة له فى فترة الشباب، وهو يرتدى ملابس كلاسيكية: «كنت باصحى بدرى ألبس قميص مكوى وبنطلون عليه القيمة، والجزمة متلمعة وأحط البرفان وأخرج على الشغل، الآن لا شاغل لى سوى مشاهدة التليفزيون ومتابعة نشرات الأخبار والجلوس على المقهى مع الرفاق القدامى والاطمئنان على أفراد الأسرة بالتليفون، والحياة بقت صعبة أوى بتكاليفها المادية، مش عارف شوية الفلوس دول يعملوا إيه ولا إيه؟».

عقب إحالته إلى المعاش، فكر «مجدى» فى العمل، إلا أن وضعه الاجتماعى حال دون ذلك، ثم انتصر لرغبته وعمل فى ورشة أحذية، حيث تعلم تلك الصنعة فى سن صغيرة: «سنة بعد سنة كنت بضيف للعاملين معايا خبراتى القديمة، واستطعت تزويج البنتين، من عملى إلى جانب المعاش، أهى حاجة بتسند حاجة فى الظروف الصعبة، لكنى بعد 7 أعوام توقفت عن العمل لإصابتى ببعض الأمراض، وساءت حالتى النفسية».

يبدأ الرجل يومه بالتسوق وشراء متطلبات المنزل، وتعوّد على الفصال مع الباعة، ثم يتناول وزوجته الإفطار، ويشاهد التليفزيون، حتى الظهيرة، وينام قليلاً، وبعد العصر يخرج إلى المقهى، ويجلس فى مكان مفتوح، ويخرج سيجارة يبدأ فى تدخينها، ويلعب مع بعض الجيران «الدومينو والشطرنج»: «بسلى وقتى، بدل ما أقعد أفكر فى الفلوس والمصاريف».

تحولت ابتسامة الرجل إلى كآبة على وجهه عندما تأتى سيرة المصاريف: «حالتى النفسية تعبت بسبب الغلاء، فلوس المعاش ماعدتش تكفى، وابتعدنا عن اللحوم والأسماك والدواجن بعد زيادتها، وبنحاول نجيب بدائل فيها بروتين، اللحمة بنشتريها مرتين فى الشهر، وبقيت بانزل بالترنج بدل القميص والبنطلون، وينادوا عليا يا مقدس بدل أستاذ وأحياناً يا حاج، والواحد بقت بتصعب عليه نفسه، بعدما أفنى عمره فى الشغل والإخلاص، يطلع معاش ياخد ملاليم».

يخرج ما فى جيبه من أموال: «آدى فلوس الكهربا، اللى هتزيد فى الصيف، وآدى 50 جنيه فاتورة المياه، و35 غاز، و300 أدوية، والأكل والشرب اليومى مابقاش ينفع معاه أقل من 100 جنيه، آدى المعاش، ولو كان ينفع أنزل شغل وصحتى تساعدنى كنت نزلت، بس أنا عملت عمليتين، واحدة فى العين والتانية فى القدم».

يتقاضى سمير عبدالله، 67 عاماً 1994 جنيهاً، معاشاً شهرياً بعد أن أفنى عمره فنى تشغيل بإحدى الشركات، إلا أنه لم يجد مانعاً من العمل بأحد المحلات التى أتاحت له ركناً صغيراً، لإصلاح بعض الأجهزة الكهربائية، مقابل حصوله على دخل إضافى يساعده على توفير حياة كريمة لأسرته: «كنت فنى قد الدنيا، دلوقت باعمل شوية خلاطات ولا مكوة أو مشترك كهربائى، نطلع بكام جنيه جنب المعاش يظبطوا الحال شوية».

يتابع: «عندى 3 ولاد، بنت جوزتها، والتانية على وش جواز، وبحاول أجوزها، وولد فى الثانوية العامة منفض جيبى، وفى ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والغلاء ماكانش قدامى إلا العمل، وباخرج من الساعة 9 الصبح وأفضل قاعد فى المحل لو جت حاجة بصلحها».

يشكو الرجل السبعينى من غلاء الأسعار، ورغم أن معاشه جيد مقارنة بقطاع كبير، إلا أنه لا يكفى احتياجاته: «ابنى اللى فى ثانوية ده لوحده محتاج ميزانية، لا المدرسة نافعة ولا المدرسين الخصوصيين عندهم رحمة، بس بعمل اللى عليا عشان خاطر ربنا»، يحكى الرجل وعلى وجهه ابتسامة عريضة سرعان ما تتبدل: «بس عندى بنت على وش جواز وتجهيز، البنات اليومين دول حمل صعب على كل الأسر».

تقاطعه سيدة سبق أن سلمته فى الصباح مكواة، فيخبرها أن تنتظر يوماً آخر لشراء قطع غيار لها، ويستكمل حديثه: «أنا شقيت وتعبت واتنحل وبرى عشان فى الآخر يحصل لى كده بعد معاشى، بدل ما نقعد كده ونحط رجل على رجل ونعيش آخر يومين فى حياتنا مرتاحين وبكرامتنا، لا، بننزل نشتغل برضه ونشقى عشان لقمة العيش».

يُمسك الرجل ورقة وقلماً ويكتب مصاريف البيت التى تبدأ بدروس ابنه وكتبه ومستلزمات الدراسة، تصل إلى نحو 700 جنيه شهرياً، وأقساط لشراء بعض الأجهزة لابنته نحو 200 جنيه، وفواتير المياه والغاز والكهرباء، والبقية تذهب للمأكل والمشرب: «اللحمة بقت كل شهر مرة، والفراخ والسمك نفس الكلام، ولولا وجود الشغلانة التانية دى بعد المعاش كان هيبقى الحال أسوأ».

قالها الرجل وهو يجاهد لفك قطعة كهربائية بين يديه: «بصراحة بتصعب عليا نفسى أوقات كتير، الواحد مننا لما بيكبر مابيعرفش ينام زى الأول وبيفكر أكتر، وبسأل نفسى إذا كنت سعيد فى حياتى ولا لأ؟، لكنى مضطر أنسى تلك الأسئلة مع بداية يومى الجديد، وانا رايح الشغل».

يشير إلى أن إصلاح الأجهزة يوفر له فى الشهر من 500 إلى 600 جنيه، «بيسندوا شوية مع المعاش، وربنا ممشيها معانا بالستر عشان عارف إننا غلابة».


مواضيع متعلقة