د. حسن أبوطالب د. حسن أبوطالب تركيا من الكمالية إلى الأردوغانية
الثلاثاء 18-04-2017 | PM 10:01

قبل ست سنوات وفى غمرة الاهتمام بالوضع الداخلى التركى، شغلنى موضوع دور الجمعيات الدينية فى تركيا فى صياغة الواقع السياسى التركى المتعدد حزبياً، وفى الآن نفسه للجيش كلمة كانت مسموعة فى ذلك الوقت، وكان الهدف هو دراسة ومتابعة العلاقة بين عدد من الجمعيات الدينية التركية وانتصارات حزب العدالة والتنمية فى الانتخابات البرلمانية منذ العام 2002 وما بعدها، وفى إحدى الزيارات لجمع مادة ميدانية شملت مدن إسطنبول وأنقرة وبورصة وإزمير، ترددت على عدد من المدارس والمعاهد العلمية العليا التى تديرها جمعيات دينية، وقد لاحظت أنه فى كل فصل وأياً كانت المرحلة الدراسية، هناك معلقتان رئيسيتان؛ الأولى تحمل صورة كبيرة للزعيم كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة، وتحتها عبارة «سلام فى الداخل سلام فى الخارج» بما يفيد أن الاستقرار الداخلى يؤدى إلى استقرار العلاقة بين تركيا ومحيطها الجغرافى المُحمل بإرث تاريخى شديد التوتر والحساسية، أما المُعلقة الثانية فهى عبارة عن لوحة صغيرة نسبياً ومكتوب فيها نصائح الزعيم أتاتورك للشباب، وهى عبارة عن عدة مقولات تدعو إلى الالتزام والتعلم والانضباط فى المدرسة والتمسك بالتفوق وهكذا، وحين سألت المشرفين على هذه المدارس عن سر التمسك بمثل هذه المعلقات، وهى مدارس لها صبغة دينية واضحة فى ملابس المدرسات والمدرسين وبعض التقاليد فى التدريس وفى التعامل مع الطلاب فى أوقات الفراغ أو فى وقت الفسحة، كانت الإجابة أن ذلك تنفيذ لتوجهات رسمية يعم المدارس التركية جميعها، وفى حالة تجاهله فقد تغلق المدرسة، وهو التزام بهوية الدولة وكونها علمانية أتاتوركية. وعلمياً تم تفسير ذلك بأنه نوع من التعايش الإجبارى بين قناعات حقيقية لا علاقة لها أبداً بالكمالية، وبين سلوكيات عامة يصعب التهرب منها نظراً لما قد تسببه من أضرار، ولكن من المؤكد أنه سيتم تجاوز تلك السلوكيات إذا تغيرت الظروف العامة فى تركيا.

أعتقد الآن فى ضوء نتائج الاستفتاء الخاص بالتحول من النظام البرلمانى إلى نظام رئاسى واسع الصلاحية، فإن تركيا باتت مؤهلة تماماً للتخلص من تلك الازدواجية الفكرية والسلوكية، رغم أن نتائج الاستفتاء تثبت أن المجتمع التركى منقسم إلى قسمين يكادان يتساويان، وأن القسم المؤيد للتحول إلى النظام الرئاسى لا يتفوق إلا بنسبة 1.3% فقط على القسم الرافض، وقد علمت مؤخراً أن بعض المدارس ذات التوجهات المناهضة للكمالية تضع معلقات لمقولات الرئيس أردوغان. هذه الاتجاهات الدينية فى تركيا تعتقد بأن الزعيم أتاتورك هو الذى أجهض ميراث العثمانية الإسلامى الأصيل لصالح توجهات غربية لا تمت لتركيا بصلة، رغم أن الرجل حين كان مجرد قائد عسكرى قاوم تماماً ما جاء فى معاهدات سيفر 1920 التى حاولت فرض التقسيم على تركيا آنذاك بين الأرمن والأكراد والدول الغربية، وبالتالى حافظ على حدود تركيا الراهنة التى تمنحها قدراً من الهيبة الإقليمية. وفى الوضع الراهن ترى هذه الاتجاهات الدينية أن الواجب على تركيا الآن فى ظل قيادة أردوغان أن تستعيد هويتها الحقيقية كمجتمع إسلامى وعلى الآخرين لا سيما أوروبا أن يتعاملوا معها بهذه الصفة وليس بأى صفة أخرى، وهم من ترضيهم فكرة الدعوة إلى الاستفتاء على إعادة عقوبة الإعدام، التى كان إلغاؤها راجعاً لشروط الاتحاد الأوروبى.

أنصار هذه التوجهات الدينية هم الذين صوتوا لصالح التعديلات الدستورية رغم أنها لم تأت على ذكر تغيير هوية تركيا العلمانية الأتاتوركية لهوية أخرى، وهم الذين لا يعرفون تحديداً ما هى هذه التعديلات وما هى آثارها، ولكنهم يثقون بالرئيس أردوغان ويؤمنون أنه قادر على قيادة البلاد إلى أبعد مدى زمنى ممكن، وأنهم يقولون نعم لأنه طلب منهم ذلك، ومُبشراً لهم بأن هذه التعديلات سوف تمنحه الفرصة لكى يعيد مرة أخرى البريق والجاذبية للاقتصاد التركى الذى هبطت نسبة نموه إلى 1.8% العام الماضى، وللعملة التركية التى فقدت 23% من قيمتها فى العام الأخير فقط بفعل اللا استقرار السياسى والأمنى فى البلاد، وهكذا تتداخل العوامل الأيديولوجية مع العوامل الاقتصادية والحياتية فى تفسير تمرير الاستفتاء بهذه النسبة المتدنية، إلى جانب شكوك بحدوث تلاعب فى رصد الأصوات نتيجة الاعتداد بأوراق غير ممهورة من قبل اللجنة المشرفة على الاستفتاء، وفى مقابل المناصرين هناك الخائفون من تحول بلادهم إلى ديكتاتورية تطيح بما بقى من حريات وتنوع فى البلاد، وأكثرهم فى المدن الكبرى كأنقرة وإسطنبول وإزمير، التى صوتت بـ«لا» بنسب تراوحت بين 51.6% كما فى إسطنبول و69% كما فى إزمير، وهؤلاء هم الأكثر قلقاً على تركيا المنفتحة والمتعددة الاتجاهات الفكرية والسياسية، نتيجة الاستفتاء وبالرغم من شكاوى حزب الشعب الجمهورى المعارض بوجود مخالفات قانونية فى عملية التصويت فى 67% من الدوائر، مما يفسد العملية برمتها، فقد أنهت حقبة كاملة ووضعت تركيا على أبواب حقبة جديدة، ومن المرجح وحسب ما ألمح إليه أردوغان وكبار مناصريه فإن الاحتفال المقبل فى العام 2023 بمرور مائة عام على قيام تركيا الحديثة سوف يشهد تغييراً جذرياً فى مسار البلاد، وهى إشارة قد تعنى إعلان تركيا العثمانية الجديدة بعد تثبيت الكثير من الرموز الجديدة فى أداء المؤسسات التركية فى الأعوام الفاصلة بين أبريل 2017 ونظيره 2023، وبما يدعم ويسهل الإعلان عن هوية تركيا الجديدة بأقل الاعتراضات الممكنة، ورغم أن لا أحد يمكنه توقع القدر والمصير للأفراد أو للمؤسسات والدول فى مدى يوم أو يومين فما بالك بست سنوات كاملة، فالفترة المنتظرة وحتى 2023 والمقدرة بست سنوات يمكن أن تشهد بل غالباً سوف تشهد العديد من التغيرات فى داخل تركيا ذاتها وما حولها، وبما قد يغير المسار المأمول إلى قيادة ورئاسة جديدة تماماً، وإلى وجهة أخرى ليست تلك التى يبشر بها الرئيس أردوغان وحزبه العدالة والتنمية.

أياً كانت كلمة القدر فى قادم الأعوام، فقد بات مصير تركيا الآن فى يد رجل واحد، يستطيع أن يقرر أى شىء دون أى اعتراض قانونى أو دستورى، وبزعم أن هذه هى إرادة الأمة التركية، أما خارجياً خاصة ما يتعلق بقضايا وأزمات عربية فالمؤكد أنها لن تشهد جديداً يذكر يختلف عما شهدناه فى السنوات الخمس الماضية، اللهم مزيداً من العنجهية والتورط أكثر فى أضابير الأزمة السورية، ودعم التدخل فى شئون دول عربية أخرى.

تعليقات الفيس بوك

عاجل