أقسى أيام «الوطن»

5 سنوات مرت على إنطلاق «الوطن»، فرحنا خلالها كثيرًا وتعلمنا، ودبّ الشيبُ في رؤوسنا ونضجنا مع وطننا الأكبر وأصابنا ما أصابه، غير أن 9 مارس 2013 كان أقسى الأيام في تجربتي هذه.. كُلّ يوم قبل هذا التاريخ، كانت تستقبلني في مدخل المقرّ القديم، صُورة النبيل الراحل «مجدي مهنا»، فارس القلم، ملامحة العميقة ونظرته المتأملة المُفكّرة تشحذ هممنا وتُمضي عزائمنا، نشْهق وكأننا نختزن كل هواء الدنيا بما فيه من أحداث وصراعات وهموم وآلام وأحلام؛ ليحترق بداخلنا من أجل وطن وأمل جديد.. من بورتريه «مهنا» تنقلنا الخطوات إلى أحمد بهاء الدين، إلى على أمين، إلى هيكل الأستاذ، إلى «بصمة» الحضور، إنها العاشرة والنصف صباحًا.

يستقبلني «ماهر» قُبيل المصعد بأدب جمِّ وبسمة ودودة: «صباح الخير أستاذ نور»، التقط منه نسخة «الوطن»: «صباح الخير يا جميل».. نعم جميل، ندعو الله أن يكون يومنا، هادئًا وجميلاً لا صراع فيه، ولا مصالح خاصة، ولا رقص على جثة الوطن، لا ولا، ولا تنقطع أدوات النفي وتميمة الاستعاذة من الشرور.

عند الطابق السادس، أغادر المصعد، إلى مكتبي، أخلع «الجاكت» على المقعد، وبعد السلامات والتوصيات على كوب الماء والشاي، أضغط زر الكومبيوتر، وأبدأ يومي «يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم».يجلس عن يميني صديقي الذي أفتقده الآن بفعل «الغربة»، حجازي سعد، رفيق «الديسك»، ملامح وجهه ثورية حادة مدببة، إلا أنه يمتلك أخف روح وأصفى نفس وأكثرها عفوية، لولا إدمانه السجائر «اللي مابيدخنهاش» و«اللبان»، لا أكف أنا و«حجازي» عن تبادل «القفشات والقلش» متى سنحت الفرصة، ولو على ذبابة وقفت على أرنبة أنفه.عن يساري، كان يجلس صديقي أسامة نبيل، ديسك المهام الصعبة ورجل الطوارئ، ورغم ذلك يظل وجهه بشوشًا باسمًا، مُتّصل بقلبه الكبير المتسامح، وفيما يضع حجازي «الهدفون» في أذنيه ليُحلِّق مع أغاني «SoundCloud‎» يبدأ أسامة: «بسم الله، إيه ده الفيس مش شغال ليه على الصبح؟»، ثم يُكمل جولته في تصفح المواقع الإخبارية، واستطلاع حالة الطقس ودرجات الحرارة، وعلى دربهما أسير، إلى أن يُنتج الزملاء أول قصة خبرية على «الإيزي نيوز»، عندها تشتدُ قامات «دسك القطاع السياسي»، حتى انتهاء «الطبعة الأولى».

كُلّ هذا كان قبل 9 مارس 2013، في ذلك اليوم الحزين.. كالعادة ذهبت صباحًا إلى «الوطن»، أضع في أذني «الهدفون»، وأستمع إلى الراديو ينقل وقائع محاكمات وأحكام «مجزرة بورسعيد»، حتى إذا ما استقبلت مدخل الجريدة، «فركت» عيناي، ووقفت مذهولا متسمرًا مكاني دقائق وأنا أُحدّق في اللافتة على مدخل البناية؛ نعم «الوطن»، هو الوطن لكنه مُحترق؛ عينا «مِهنا» العميقة محترقة، وألسنة النيران أكلت نظارة «بهاء الدين» السميكة، كل شيء يلتحف السواد، بينما رائحة الماء على الأساس المتفحم، وأوراق الدشت والصحف المحترقة، ورماد بورتريهات الأساتذة، أقسى على النفس من قنابل الدخان والغاز والمولوتوف.

تراجعت إلى الخلف كاتمًا أنفاسي، لا لن أستنشق هذا الهواء، ولن أملأ تجويف صدري بالحلم المُدَخَّن.. ماذا حدث لـ«الوطن»؟، ومن تعمَّد إحراقه ونفث ألسنة الحقد والغل والكراهية في وجهه، مَن شوه الرموز والقدوة وذرَّى الشرار في عيني «مهني» واخترق باللهب نظارة «بهاء» السميكة.. من أشعل النار ثم أهدر النهر في إطفائها وتركنا عطشى، مَن قتل فينا الرمز وبنى الأماني والرؤى للمجهول، وسعى لتكنية الحقيقة؟!

أعرفه جيدًا ويعرفه الجميع، ولا ينكر أحد سواه.. على مقربة منا يقف يرقبنا، لكنه لن ينال مراده، ولن ندعه يلمح في أعيننا نظرة انكسار.. أمام المقر في رحابة الطلق، أخذت نفسًا أكثر عُمقًا، وحبسته داخلي إلى أن اجتزت الطوابق الثلاثة المحطمة والمحترقة، من بُنيان «الوطن» إلى يوم جديد نستكمل فيها البناء والحلم، إلى بلدي المُختطف في غربة الأغراض والأهواء، والذي رغم البُعد أراه قريب.