سوريون ينقلون تراث «دمشق القديمة» إلى «6 أكتوبر»

كتب: محمد غالب

سوريون ينقلون تراث «دمشق القديمة» إلى «6 أكتوبر»

سوريون ينقلون تراث «دمشق القديمة» إلى «6 أكتوبر»

«هنا دمشق من القاهرة» لم يأت الشعار من فراغ، فعلى أرض مصر استطاع مجموعة من السوريين أن يبدأوا من جديد، أن يبنوا أنفسهم بأنفسهم بعد أن كسرت الحرب وحدتهم وجعلتهم يتفرقون فى بقاع الدنيا باحثين عن أرض صلبة للوقوف عليها. فى مصر وجدوا الوطن البديل ليس للإقامة فقط بل للعمل وليس عملاً عادياً يرتزقون منه ويوفرون ثمن اللقمة فقط بل عمل يعيد إليهم أرواحهم الغائبة، أرواحهم التى تركوها فى دمشق قبل أن يهموا بأجسادهم فقط للحياة فى بلد آخر. على أرض مصر وتحديداً فى مدينة السادس من أكتوبر عمل السوريون على إحياء الصناعات اليدوية الدمشقية التى هُدمت تحت أنقاض الحرب ولم يتبق سوى أيادٍ تعمل وتجاهد من أجل الاستمرار، هكذا فعلوا، اجتمعوا واتحدوا واقتحموا السوق المصرية بأعمالهم اليدوية، دخلوا على استحياء لمجرد التجريب ثم سرعان ما نافسوا رغم ظروفهم الصعبة، وبإمكانيات بسيطة وأماكن عمل غير مجهزة، وزبون مجهول بالنسبة لهم، وسوق لا يعلمون خباياها، نجحوا وأنتجوا أعمالاً يدوية لها طابع سورى لافت، يتميز بالجودة الفائقة وبالدقة المتناهية حتى إنه أصبح المنتج المفضل للمصريين.

كخلية النحل يعملون، نشاط، دقة وتعاون، وبنظام شديد وتناغم تعمل أسرة سورية وكأنها شخص واحد، ثلاثة أشقاء هم أبوشريف، أبوأحمد وفيصل، وبمشاركة أبنائهم، ينتجون أعمالاً يدوية سورية، وأخرى مصرية مضافاً لها الطابع والروح السورية، فى ورشة بمدينة السادس من أكتوبر يجتمعون يومياً لإنتاج أعمال يدوية مختلفة صنعوها بأياديهم، ومن يدخل ورشتهم للمرة الأولى يشعر وكأنه انتقل إلى حقبة تاريخية أخرى فى بلد آخر.

{long_qoute_1}

أول قدومهم إلى أرض مصر كان حالهم صعباً، أيامهم غير واضحة المعالم وإيجار الشقة التى يتخذونها سكناً مرتفع، دخلوا فى مشروعات كثيرة باءت بالفشل، حاولوا أكثر من مرة نقل التراث الدمشقى اليدوى إلى مصر، 10 أشهر من المحاولات، مرة تنجح التجربة وأخرى تفشل، تلك الأيام يتذكرها أبوشريف النجار، جيداً وهو يمر ما بين المنتجات التى صنعها بيديه ويشعر بالنجاح والسعادة بسبب إعجاب المواطن المصرى بها، ينظر لمنتجاته فتلمع عيناه، فهى صنعت بعد مجهود وتعب ليال طويلة: «كانت تجربتنا صعبة، بلد غير بلدنا، مانعرفش حد، كنا ننزل للقاهرة من 6 أكتوبر، نجيب المواد الخام، نقطع حجارة وسيراميك، ونشتغل، جربنا كتير ورمينا كتير، حتى صارت الأمور أسهل وشوية بشوية وصلنا لنتائج حلوة ومقبولة، وتأكدت أنه طول ما فيه إصرار مفيش فشل وفيه نجاح».

التصميم على النجاح والإرادة والعمل الجماعى، هو ما ساعدهم على إنتاج أعمال يدوية مختلفة فى مصر، يقول «أبوشريف» وهو يمسك قطعة من الفن العجمى السورى صنعها بيديه: «مصر دى فيها شغل أحسن من سويسرا كمان، والله وأكتر من أى بلد فى العالم تلاقى شغل، لكن الناس لازم تصمم عشان تشتغل، متقعدش على المقهى تقولى مفيش شغل، لأ الشغل موجود لكل الناس، لكن ماتدورش على وظيفة، اصنع انت الوظيفة وابتكر وفكر وابدع».

مصر بها مساحة كبيرة، كثافة سكانية، ثقافات مختلفة وحضارة، ومواطنون يقدرون الفن، وأسواق مختلفة، ولهذه الأسباب استطاع المواطن السورى أن ينجح بصناعاته اليدوية فى مصر بحسب «أبوشريف»، الذى يبلغ من العمر 55 عاماً، لكنه يصر على العمل والإنتاج بيديه رغم سنه: «مصمم على إنتاج أفضل شغل، حتى لو أخفقت مرة واتنين وتلاتة لكن هنجح، فى مصر اللى يصمم على النجاح هينجح وهيلاقى شغل»، يمسك قطعة فنية من «القيشانى» وهو فن يدوى سورى: «حجارة بنكتب عليها»، يقولها وهو يدور داخل الورشة، ثم يعدد الفن اليدوى الذى يتميز به الشعب السورى كالصدف والنحاس والميناء والعجمى والقيشانى: «ممكن بإيديك تبتكر وتصنع شىء ويبقى جمالى بس تفكر»، ثم يلوح بيديه على قطعة موجودة أمامه: «دى ميناء على النحاس مكتوب عليها خطوط إسلامية، بالميناء ممكن ترسم أى حاجة وتلونها، ده مثلاً العرق مصرى فاطمى، موجود فى كل النقوش الإسلامية المعروفة ونضيف عليها الطابع السورى، فإذا عندك تصميم وحابب تشتغل هتشتغل وشغلك هيعجب الناس». {left_qoute_1}

جاءت فترة انعدمت فيها البطالة فى سوريا بسبب انتشار المهن اليدوية، والورش، حتى النساء والأطفال كانوا ينتجون فى بيوتهم، الكل يعمل، وهو ما يتمناه «أبوشريف» فى مصر نظراً لأهمية الصناعات اليدوية، بحسب قوله: «فى سوريا تقدير كبير للفن السورى اليدوى، وفى مصر يقدرونه لكن للأسف بقولها للى بيشتغلوا دايماً، التقفيل المصرى فيه مشكلة، أهم شىء ختام الشغل صح، حتى لا تضر سمعة شغلك، أصل الحاجة لو نضيفة هتسوق نفسها بنفسها، وتيجى الناس لعندك، وتجيب السائح كمان، لكن فى مصر أقل اهتماماً بالتقفيل».

ملاحظة أخرى يرصدها «أبوشريف السورى» عن الفن اليدوى المصرى، وهى عدم التجديد فى الصناعة: «فيه هنا شغل عادى، لكن المشكلة كله تقليد مفيش تجديد، جددوا لمصلحتكم، أحيوا التراث لكن ضيفوا عليه، مش تقليد أعمى، خد من الحضارة وضيف عليها، ما تسيبها زى ما هى بدى شىء تضيفه، فى سوريا فيه تجديد فى مصر يفقدوه».

بينما يحكى أبوأحمد النجار أنه كان بالأساس تاجر تحف شرقيات، نحاسيات وزجاج، ولكن فى مصر دخلوا فى مرحلة التصنيع، ليقوموا بتصنيع العجمية، وهو الرسم على الخشب، وتسقيط الميناء على النحاس، والرسم على الزجاج والمشكايات، والبلاط السيراميك أو القيشانى، كما أنهم صنعوا فوانيس رمضان مع إضافة الروح السورية عليه.

عن الفن المصرى اليدوى يحكى «أبوأحمد»: «مصر بتحكى عن حضارة 7000 سنة، بس الفن المصرى له روح، وحلو اختلاف الأذواق والأشكال، لما تدخل الخط السورى مع المصرى عملوا فسيفساء، حضارة جميلة، لو واحد مصرى اشتغل مع سورى يكملوا بعض يعطى حضارة متنوعة وجميلة ومبتكرة».

على الرغم من أنه خريج المرحلة الإعدادية بالمدارس، إلا أنه درس الفن الإسلامى دراسات حرة، بحث ودور وعلم نفسه، ويفخر بما صنعت يداه، اللتان يلوح بهما على أعماله المعروضة: «ديه مبخرة بيتحط عليها بخور، أساسها مصرى ونقوش مصرى، لكنى ضفت عليها الميناء السورية، وده نحاس مسقط عليه أحجار كريمة، وهذا العجمى، موجود فى البيوت الدمشقية، بيتحط على الجدران ديكور، القطعة بتاخد أسبوع عمل».

يعلم جيداً اختلاف الحضارة المصرية عن السورية، ولكنه يفخر بجمع الدمشقية مع الفاطمية فى أعمالهم: «الزخارف الفاطمية أو المصرية فيها رونق جميل، يمكن دخلت أنا الألوان، الميناء الدمشقية بالفن والخطوط المصرية والنقوش».

بالتجربة نجح فى التميز بمهنتهم اليدوية: «قلت مو صعب عليّا أبتكر، نعيد إنتاج الماضى بشىء جديد، وكانت الصعوبة فى البداية، إننا نبحث عن كل قطعة منين تتجاب وننزل ونشوف الإزاز والخشب يتباع فين، حتى صار عندك نظرة لكل قطعة، وصارت الدنيا أسهل، وفيه تناغم فى العمل بمصر».

أما فيصل أبوأحمد، فكان يصنع بيديه صندوقاً يحمل مجموعة من النقوش، يستعمل كحافظ للكتب، وبجانبه محراب لمسجد صنعه بيديه، وأمامه تصميم للكعبة، وبجانبه سماور لعمل الشاى.

موفق أبومحمد تعلم التنجيد منذ صغره، ذاع صيته فى شوارع سوريا، كان ماهراً، ترك بصمته فى منتجاته التى تميز بها، وبسبب الظروف القاسية التى يمر بها بلده، جاء المنجد إلى مصر، واستقر فى منطقة السادس من أكتوبر، ليبدأ فى تقديم إنتاجه الذى يصنعه بيديه للمواطنين.

{long_qoute_2}

كان يمسك القلم والورقة ويخطط بيديه الشكل الذى يود إنتاجه، بتركيز شديد يعمل، ويؤكد أن أهم ما فى عمله هو الدقة، كأغلب السوريين، يرى «موفق» أن هناك فرقاً كبيراً بين المنجد المصرى والسورى، لاحظه زبائنه، وأقر به هو: «الشغل اليدوى يختلف بين البلدين، الروح السورية فى الشغل بتترك أثراً مختلفاً، وفيها حاجة مميزة»، ويوضح موفق أن تقفيل الشغل اليدوى فى سوريا أفضل وأدق من المصرى.

4 سنوات يعمل فى السوق المصرية: «حتى بقى زباينى مصاروة وسوريين، والمصاروة بيحبوا الشغل السورى، والسبب هو الفينيش والمضمون بتاعنا، ففيه اختلاف فى إنتاج الشغل والشكل بيننا وفى الذوق».

الزبون المصرى يتميز بحسن الاختيار والذوق الشديد والفهم عند اختيار المنتج، أما المنجد السورى فيتميز عن المصرى فى دقة العمل: «برأيى فى مصر مفيش اهتمام قوى بالجودة، والزبون المصرى عارف كده، فيه ناس هنا عندهم ذوق قوى وبيختاروا الحاجة النضيفة، وإحنا عندنا فى سوريا زى ما بتتفق مع الزبون بيطلع المنتج اليدوى زى ما هو بالتحديد».

التنجيد فن، والشغل الجيد أغلى بعكس المنتج المتوسط: «الحاجة النضيفة بتاخد تمنها بعكس اللى مش نضيفة»، يقولها «موفق»، وهو يدور بين منتجات من صنع يديه هو وأولاده، كراسى، مخدات، كنب، بونبوناية، ثم يحكى: «الشغل اليدوى مهم جداً عندنا فى سوريا، حتى إنه ماكانش عندنا بطالة، كل واحد بيشتغل فى اختصاصه اللى اتعلمه وهو صغير، وبيكبر عليه ويتميز فيه». كان الأستاذ الجامعى بكير زهير شرابى، يتجول داخل ورشته، ينظر إلى البضاعة الموجودة بها، يتفحصها، مجموعة كبيرة من المد العربى متراكمة بألوان زاهية ومبهجة فى كل مكان، ذوق سورى يشرف عليه «بكير»، الذى كان يدرس عمارة بالجامعة الأوروبية الخاصة، بالإضافة إلى محاضراته بالجامعة الحكومية.

جاء إلى مصر عام 2012، كان يتوقع أن المدة لن تطول، شهران لا أكثر، ولكنها طالت رغماً عن إرادته بسبب الظروف القاسية التى تمر بها بلاده: «صارت المدة سنين، وكان لازم أعيش، ونسيبى شغال بالمد العربى، وبيرسل للخليج، فبدأت أجمع ما بين دراستى فى الفنون والعمارة، مع الشغل اليدوى السورى، وبدأنا ننتج ونبيع ونصدر كمان».

بيديه يقوم بالتصميم، تحديد الألوان، والابتكار، ويعمل معه سوريون ومصريون بمساعدة ابنه وسام: «اللوحات الفنية أشتغلها بإيدى، وهما يشتغلوا عليها»، يقولها بكير وهو يدور بين منتجاته يشير إليها: «ديه ساعات على القماش، مرايا مزينة بالقماش، بخيوط وحبال خاصة، نحاس مزين بالقماش، حتى الصور بنزينها بإيدينا على القماش، وده برافان بأربع مفصلات، ونجف مزين بالقماش، وستاير، وكلها من تصميمى».

عرض منتجاته بمولات، ولاقت إقبالاً كبيراً، ومن جنسيات مختلفة، يشترى منه سوريون، مصريون، عراقيون، وليبيون وإماراتيون، فقام بتطوير أعماله: «طورت من الفرش العربى لملحقات أكتر، عملت كمان مزيج ما بين العربى والأفرنجى، وعملت ستائر عربى».

دراسته أفادته كثيراً فى تقديم الأعمال اليدوية، وعمل سوريين ومصريين معه كان له التأثير الإيجابى على المنتجات: «المصرى لما يتعاون مع سورى، بيصير فيه تبادل ثقافى، المصرى يستفيد من السورى، والسورى يستفيد من المصرى، وكله لصالح العمل ويصير الإنتاج جيد، وبيتعدل بحسب الذوق المحلى».

عن الأعمال اليدوية السورية، يحكى أنها تتميز بالتقفيل ذى العناية الشديدة، وهو ما يحاول الحفاظ عليه فى منتجاته من المد السورى: «خاصة أن المد ده سورى وأشكال وألوان سورية، من التراث السورى ومن مدينة حلب بالذات، وإحنا صار عندنا تطور وأحياناً الزبائن تطلب بعض التعديلات».


مواضيع متعلقة