البرلمان والقضاء.. حسابات الأزمة

جمال طه

جمال طه

كاتب صحفي

أزمة البرلمان والقضاء ارتبطت بتنازع الاختصاص بين السلطتين التشريعية والقضائية، اختلطت فيها قواعد العدل لدى القضاء الإدارى بدوافع الوطنية المصرية، وامتزج دفاع البرلمان عن اختصاصه بشبهة التماهى السياسى مع السعودية، عرض المشروع على التشريعية ديسمبر 2016 جاء رداً على حكم الإدارية بمصرية تيران وصنافير وبطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية يونيو 2016، بتداعى الأزمة راهن الجميع على دور الرئيس كـ«رمانة الميزان» بين السلطات، لكننى كنت واثقاً من انزلاقها نحو الصدام، نهاية يونيو 2016، وأثناء مشاركته فى جنازة الشهيد هشام بركات أكد «السيسى» أن تقديم العزاء سيكون بالأحكام الناجزة للعدالة، وخاطب مؤسسة القضاء: «يد العدالة مغلولة بالقوانين، وإحنا هنعدلها علشان ننفذ القانون فى أسرع وقت»، وأشار لبطء إجراءات محاكمة قادة الإخوان والإرهابيين: «مش هنقعد خمس وعشر سنين نحاكم الناس اللى بتقتلنا، همّا بيصدروا الأمر وهمّا فى القفص، وبيتنفذ الحكم، وإحنا قاعدين ننفذ القانون، إحنا بنحترم القانون، بس هنخلى القانون يجابه ده»، ووجه محذراً: «لغاية دلوقتى معملناش إجراء استثنائى واحد، وانتوا متعرفوش إيد الدولة عاملة إزاى!!»، تحذير بالغ الوضوح، دعمته التخوفات الأمنية؛ محاكمات الإخوان تسير ببطء مريب، تكرار استشعار القضاة للحرج، بما يثيره من شبهات، أزمة القضاة 1969 حرّكها الإخوان، «أحداث القضاة» 2005 قادها تيار الاستقلال، المنتمى لهم، و«قضاة من أجل مصر» كانوا ظهيرهم فى السيطرة على الدولة، فهل ما زال البعض مندساً؟!

مؤسسة القضاء واجهت الأزمة الأخيرة وهى فى أشد حالات الضعف، الكشف عن عدة قضايا فساد وانحراف داخلها فتح ملفاً اعتبره البعض سعياً منهم لتأسيس دولة داخل الدولة، بدءاً بقواعد التعيين، والانتدابات، وطغيان الهوى السياسى، والمبالغة فى المزايا والحصانات، وانتهاءً بالتجاوزات السلوكية، القضاء نجح فى حل مجلس شعب الإخوان، وأوقف تنفيذ قرار «مرسى» بإعادته، وأجبره على التراجع عن إقالة النائب العام، لكن الشعب انقلب عليهم، عندما علّقوا العمل بالمحاكم والنيابات احتجاجاً على الإعلان الدستورى وتعيين نائب عام جديد، وتحصين القرارات، لأنهم أوقفوا مصالحه، المتعاطفون مع موقف البرلمان حالياً بعض من هؤلاء، فالانطباعات السيئة تدوم لدى البسطاء.

قانون الهيئات القضائية من القوانين المكملة للدستور، يستلزم موافقة ثلثى البرلمان، رفض الهيئات القضائية له، ووجود معارضة قوية له بالبرلمان، كانت تفرض سد الذرائع المتعلقة بالتصويت، 35 نائباً تقدموا بطلب رسمى بأن يؤخذ الرأى نداءً بالاسم، مما يعتبر ملزماً لرئيس المجلس وفق المادة 325 من لائحة المجلس، لكنه لم يستجب، لم يتحقق من اكتمال النصاب، وأهمل التصويت الإلكترونى، واكتفى بالموافقة وقوفاً، فى جلسة لم يدرج فيها القانون بجدول الأعمال، ولم تستغرق دقيقتين!! الهيئات القضائية لجأت للرئيس، المواءمة السياسية كانت تفرض الانتظار ثلاثين يوماً، ما يعنى عدم اعتراضه، وبالتالى يتم إقراره، وتتخذ إجراءات إصداره ونشره بالجريدة الرسمية، لكنه صدّق على القانون يوم صدوره، وصدر فى نفس اليوم عدد استثنائى من الجريدة الرسمية!!، الأمر الذى وسّع حساسية العلاقة بين السلطتين التشريعية والقضائية لتشمل التنفيذية أيضاً.

بصدور القانون انطلقت عدة سيناريوهات؛ الأول رعونة واندفاع، تهديد مجلس الدولة بعدم الإشراف على الانتخابات، وإنهاء انتداباتهم بالجهات والهيئات الحكومية «نحو 3000 مستشار»، وتعليق العمل بالمحاكم، و«تدويل الأزمة»!!، بعض النواب ردوا بالتلويح بتعديلات لخفض سن تقاعد القضاة، تطاحن مؤسسات السلطة أسوأ ما يواجه الأنظمة، والثانى تحايل ومكايدة، نادى القضاة هدد بأنه «يستطيع صون محرابه من خلال جمعيته العمومية لمحكمة النقض، بسلب اختصاص من اختير «عنوة» دون رغبتها، وتفويض من تشاء من أعضائها لإدارة أعمال المحكمة»!!، أو اعتذار الأحدث عن شغل المنصب حال صدور قرار بتعيينه، إلى أن يتم تعيين الأقدم!!، الظروف المصاحبة للأزمة، وغياب القيادة المحرّضة، سمحا لشيوخ المؤسسة بالتهدئة، استناداً إلى أن «مهمة القاضى تنفيذ القانون بغض النظر عن رضاه عنه»، وقد يختار الرئيس الأقدم، برصانة الحَكَم بين السلطات، فينزع فتيل الأزمة، كما يمكنهم الطعن على القانون لأن المادة 210 من الدستور تنص على أن الدائرة الأولى، التى يترأسها رئيس مجلس الدولة، تختص بالطعن على الانتخابات والاستفتاءات الرئاسية وقرارات الرئيس، مما يجعل اختيار رئيس الجمهورية لرئيس مجلس الدولة يؤثر على حياديته كقاضٍ، وكذا لعدم جواز تعيين الشخص لقاضيه، فالمادة 159 من الدستور تتعلق بمحاكمة رئيس الجمهورية أمام محكمة يرأسها رئيس محكمة النقض، وتضم فى عضويتها نواباً من الدستورية العليا ومجلس الدولة، مما لا يجوز معه تعيينه لمن يشغلون هذه المناصب، فضلاً عن تعارض القانون مع «المادة 5» من الدستور المتعلقة بالفصل والتوازن بين السلطات، والمادة «185» الخاصة بتنظيم اختيار رؤساء الهيئات القضائية.

كل ما تقدم من ضوابط دستورية لا يكترث بها البرلمان؛ لأنه تحوّل لأداة فى يد الحكومة، حتى غلب دوره التشريعى، دوره الرقابى، لم يُعمل دوره الرقابى إلا عندما أطاح بوزير التموين، ولم يناقش منذ انعقاده سوى استجواب واحد!!، اهتمامات بعض النواب تؤكد سعيهم لتعديل التوازن بين السلطات لصالح التنفيذية، أو ترجيحاً لمصالح خاصة؛ مشروع تعديل قانون الأزهر الشريف، يتعارض مع حصانته الدستورية، الأزهر وإن كان فى حاجة للتجديد، لكن النيل من هيبته لن يسمح بالإصلاح، وانهياره يخدم مؤسسات دينية سلفية وشيعية متشددة، ثقله الدولى جزء من قوتنا الناعمة، وغيابه يسىء لصورتنا الوطنية، والأخطر أن اتساع قاعدة مريديه تكاد تشمل مجمل المسلمين، فلمصلحة مَن نستعدى هؤلاء على النظام السياسى؟! مقدمو مشروع تعديل قانون الإيجارات القديمة اعترفوا بأنهم ملاك وأصحاب مصلحة، ما يسقط صفة الموضوعية، يهدد قرابة 3 ملايين أسرة بالطرد، فى ظروف لا تحتمل أعباء إضافية، مما يمس السلم والأمن الاجتماعى، أحد المحامين تقدم ببلاغ للنائب العام طالباً حظر النشر لإنهاء ما أحدثه من قلق لدى المستأجرين، وتجنب الوقيعة مع الملاك، بعض النواب دعوا لبيع شهادات الخدمة العسكرية!! والآخر لبيع الجنسية بوديعة الإقامة، الربط بين آلية البيع وضغوط الأزمة الاقتصادية، تبرير جاهز فى انتظار «خطوة انتحارية» تتعلق بتيران وصنافير!!

النظام يخوض بعد عام معركة رئاسية ليست بالهينة، الصعوبات الاقتصادية والمعيشية ما بعد تعويم الجنيه، ومواجهات السلطة مع الإعلام والصحافة والقضاء والأزهر والمستأجرين، وتيران وصنافير، والجنسية، أحدثت شروخاً لا يمكن إغفالها، ما يفرض تغيير منهجية الاستعداد لإعادة رأب الصدع، واستعادة الالتفاف حوله، خاصة أن المطلوب ليس تمديد الرئاسة لفترة ثانية، بقدر ما هو استعادة التضامن الوطنى مع نظام، لا يبدو فى الأفق له بديلاً آمناً، فهل نبدأ الآن؟!