بين الهلباوى ولطفى السيد

حلمى النمنم

حلمى النمنم

كاتب صحفي

حين وقع حادث دنشواى، صيف سنة 1906، استُدعى المحامى الشهير إبراهيم الهلباوى ليترافع أمام المحكمة عن الضباط والجنود الإنجليز، جنود الاحتلال، وذهب أحمد لطفى السيد متطوعاً للدفاع عن المتهمين من أهالى القرية، وانتهت المحاكمة بإصدار حكم الإعدام والجلد على عدد من الفلاحين، ونُفذ فيهم الحكم داخل القرية ذاتها، وأمام أفراد أسرهم.

والحكاية للأجيال الجديدة أن دنشواى قرية بالمنوفية اشتُهرت بأبراج الحمام، وكان ضباط وجنود الإنجليز يذهبون إليها لصيد الحمام بالبنادق، وكانو يبلغون العمدة وسلطات مديرية المنوفية قبل أى عملية صيد لتتولى بدورها إحاطة الأهالى علماً ومرافقتهم لحمايتهم، لكن فى يوم الأربعاء 13 يونيو 1906 ذهب عدد من الضباط والجنود إلى الصيد دون الإبلاغ، وكان أن فوجئ الأهالى وأصابهم الفزع بعد أن تسببت إحدى الرصاصات فى إشعال النيران بأحد أجران القمح وإصابة سيدة، تصور أهلها أنها ماتت، كان وقتها موسم الحصاد، وانتشرت الشائعات فى القرية كلها، وساد الهلع ومطاردة المعتدين، وكان أن سقط أحد الضباط ميتاً، فقامت قيامة سلطات الاحتلال وقررت محاكمة كل الأفراد الذين اقتربوا من العملية، وتحدّث الأهالى فيما بعد عن أن العمدة أضاف بعض الأسماء من خصومه إلى قائمة الاتهام، حتى إن أحد الذين حوكموا لم يكن بالقرية وقت أن وقعت الواقعة، وجرت المحاكمات.. والسؤال الآن: ما الفارق فى هذه القضية بين الهلباوى ولطفى السيد؟!

دعنا الآن من أن الهلباوى عاش عمره يعتذر عن تصديه لتلك القضية، فالمجتمع لم يتقبل اعتذاره ولم ينسها له، وقد حاول هو فى مذكراته أن يدافع عن نفسه ويلتمس لنفسه المبررات والأعذار، التاريخ نفسه لم ينسها له، حتى بعض الذين حاولوا الدفاع عنه باعتباره من «المعتدلين» فى السياسة المصرية لم يجد دفاعهم قبولاً لدى الكثيرين.

الهلباوى كان محامياً موهوباً ومفوهاً ومضرب الأمثال بين المصريين فى مرافعاته وطلاقة لسانه، حتى صار «لسان الهلباوى» حديث المصريين، فى هذه القضية استعمل كل مهاراته، كما وظف موهبته لتصوير الفلاحين باعتبارهم معتادى الإجرام، بيّتوا نيّة الفتك بالضابط الإنجليزى «المسكين»، وأخذت المحكمة بمرافعته الطويلة وحججه التى ساقها، هو تعامل مع هذه القضية بالمنطق المهنى فقط، وبالموهبة وحدها، بغضّ النظر عن الأبعاد الأخرى، وفى مقدمتها البعد الوطنى ثم الاجتماعى والإنسانى.

لطفى السيد تعامل كمحام، لكن البعد الوطنى والاجتماعى كان له الأولوية الأولى لديه، ولم يكن ذلك غريباً عليه، هو ابن الحركة الوطنية المصرية، ويمثل الجناح الإصلاحى والتحديثى بها، لذا ساند مطلب قاسم أمين فى «تحرير المرأة»، ومن الداعين إلى تأسيس الجامعة المصرية، والساعين إلى الاستقلال عن بريطانيا، هو أحد تلاميذ الأستاذ الإمام محمد عبده، ومن هنا ذهب «متطوعاً»، أى بلا مقابل مادى، وفى قضية طرفاها فلاحو دنشواى البؤساء وسلطة الاحتلال التى يقف على رأسها المتغطرس العتيد اللورد «كرومر»، وبهذا المعنى لم يكن متوقعاً أن يكسب القضية، وكل ما فعله لطفى السيد أن تمكّن بمرافعته من تخفيض أعداد من كان مطلوباً شنقهم أو سجنهم.

موقف الهلباوى ولطفى السيد يحتاج أن نتأمله اليوم من عدة نواح، من بينها أن بعضاً منا فى مختلف المهن والحرف، وليس المحاماة وحدها، خاصة تلك المتعلقة بالشأن العام، ينحازون إلى الجانب المهنى حتى لو كان على حساب جوانب أخرى لا يجب إغفالها، سوف نجد ذلك فى المحاماة وفى الصحافة والإعلام وفى الطب والبناء والتشييد والاقتصاد وغيرها وغيرها، وهو ما يدفع المجتمع ثمنه غالياً، فضلاً عن بعض الأفراد، إذ إن ذلك ينتهى فى بعض الحالات إلى دخول عالم الجريمة بمختلف أشكالها، والحديث فى هذا يطول ويطول.

والأمر الأهم يتعلق بلطفى السيد وحجمه فى الحركة الوطنية والثقافية المصرية والعربية، هو يحمل لقب «أبوالليبرالية المصرية»، وموقفه يؤكد أن الليبرالية المصرية يمكن أن تختلف مع بعض قوى المجتمع، خاصة المحافظة منها، فى قليل أو كثير من القضايا الإصلاحية، مثل تحرير المرأة وإنشاء المؤسسات الحديثة، لكنها لا يمكن أن تكون فى حالة عداء مع المجتمع ومخاصمته على طول الطريق، أى إنه لا مجال فيها للنفاق الاجتماعى، أى نفاق المجتمع أو مخاصمته على طول الطريق والاستعلاء عليه، وكذلك لا يمكن أن تبتعد عن القضايا الوطنية ولا أن تنحاز إلى المحتل بأى حال من الأحوال، ذلك أننا وجدنا فى زماننا بعض من يضعون أنفسهم فى خانة الليبرالية، حرضوا على غزو العراق سنة 2003، واحتلاله من الولايات المتحدة، تحت ذريعة التخلص من صدام حسين، وشجعوا دول الناتو على ضرب ليبيا سنة 2011 باسم إسقاط القذافى، بالتأكيد كان صدام حسين ديكتاتوراً، وكان القذافى طاغية، لكن تحقيق مبادئ الليبرالية لا يتأتى ولا يكون بالاحتلال الأجنبى، لم يحدث ذلك فى التاريخ، ولن يحدث.

فى العراق وفى ليبيا، جرى إسقاط الدولة، ويعرف الدارسون أن الليبرالية لا تتحقق إلا فى وجود الدولة والدستور، ودونهما تكون شيئاً آخر، هو اللادولة، أى الفوضى والعدمية «الأناركية»، أو فكر الجماعات الإرهابية المتأسلمة، التى تقوم فى جوهرها على «اللادولة».

الدولة لا تقوم فى وطن تحت الاحتلال الأجنبى، الدولة تعنى وطناً مستقلاً ودستوراً وقانوناً، وهذا ما يفوت بعضنا إدراكه والوعى به.