الرقم (1) بعد الصفر

مصطفى على

مصطفى على

كاتب صحفي

الذين ظهروا على الشاشة في أول الفيلم تمامًا كالذين تصدّروا المشهد الأخير..

تساوى الجميعُ حين نمتُ من ملل العرض ولم يربحوا إعجابي..

كلهم حضروا.. تقمصوا.. قاتلوا.. كذبوا.. وانتصرَتْ بهم الأحداثُ..

لكن -لأنني لم أكن موجودًا- لم أشهد على هزيمة المهزوم ولم أكتشف سقطات المؤلف والمخرج..

خرجتُ من السينما مع المبهورين والكسالى

سعيدًا بساعتَي برودة بصُحبة خَسَاراتي الحبيبة..

صديقة لم أُكمل فيها ما بدأتُ..

تاجرًا سرقني في الميزان ولم أكتشف خفَّته..

جارةً لم أنجح في إخراجها من وحدتها..

أطفالا لم يبتسموا لي وأنا أحرّك حاجبيَّ من أجلهم..

قالوا لي جميعًا: فشلتَ في كل شيء إلا نهب الخسائر..

فأضحك منهم وأقول لنفسي: يحقدون عليَّ

..

في طريق البيت أنسى أنوار السينما لأغرق في حكمة السائق الهادئ

هذا النادر في سكوته يتركني أتفرج على النساء اللامعات كالفتارين..

أخيرًا هرَبْنَ من أزواجهن لساعة واحدة بحُجة الشراء

 

كم امرأة خرجَتْ لتشتري هذا المساء؟

 

قالتْ إحداهُن لزميلتها حين أبطأ التاكسي بقربهما:

قلتُ له "أحبّك" كي يقول..

 

مشاوير الشراء غاية المتلهفات لمغازلة الغريب..

وفي آخر الليل يشترين ما لا يحتجْن لئلا يغضب الزوج..

 

أتابع الهاتف منتظرا رسالة من أي غائب..

أشتري جريدة على عجل وأقرأ منها:

"سنُعيدها سيرتَها الأولى"..

تُفرحني البشارة بعودتها لتمارس سحرها على لغتي

 

أحاسِبُ السائق الجامد وأتساءل وقت نزولي:

لماذا لا نصير تماثيل؟

 

أشتري ما يكفي سهرتي من رصيد مكالمات وأفتش في الأصدقاء القدامى وأجرب:

"الهاتف الذي طلبته غير موجود"..

لا أغضب سريعا كما تعوَّدت..

أتمسك بتقديم الشكر لصاحبة الرسالة المسجّلة:

"شكرا لأنك أخبرتِني بأنهم غير موجودين وأنقذتِني من انتظارهم"..

 

أحاول النوم -لأنني مازلت موجودًا على السرير بكامل الأمل-

أفتح الراديو:

لا يوجد زوزو نبيل ولا حسن البارودي ولا أم كلثوم، ومع ذلك يُسليني الصوتُ..

"سأصحو مبكرًا".. أقول لنفسي..

سأفاجئ صديق المصادفات بزيارة صباحية..

سأخبره أنني أحس بالفقد ولديَّ من الهزائم ما يكفي لملك منحوس أن يفنى في الأساطير..

سيستمع لي ويدعوني إلى قهوته وغرائبه، ويحكي لي عن أغاني الثمانينيات

وعبقرية الريحاني وعاطف الطيب، وأودّعه حتى المصادفة القادمة..

أشيل عن عجوز كيسَها وأعبُر بها سلم المترو..

تقول: الميدان تغيّر يا ابني

وأقول: كل شيء تغير يا أم

وتسأل: هل تزوجْتَ؟

أردُّ: لا أزال بخير..

تضحك وتنصحني: تزوَّجْ ليذكروك..

فأضحك رافضًا نصيحتها: وهل يزورُك أحدٌ ممن تذكّروا؟

تضع وجهها في زجاج الباب: سأنزل المحطة القادمة..

 

كم امرأة نزلت من قطارات الحب ولم تجد أحدا؟

 

لا فرق بين ما مضى وما يأتي

أنا وأنتَ صفر بين وقتين توأمين

أنا وأنت صفر بين وقتين وُلدا قبل أن تولد

فلا تفرّق بين آبائك وأحفادك في الزمن يا سيد اللحظة

لا تكن عبئا على عتبات الجيران وذكرياتهم

لا تكبر إلى هذا الحد كالذي مرَّ على قرية وهي خاوية..

لن يحييها أحد يا مسكين

سترى فيها ذلك الثور الذي يحمل الأرض

وترى فيها مَن انتظر الأحبة في الثلج وصار كنزًا لعلماء الحفريات..

وترى مَن أكلوا على مائدة السماء وباعوها من أجل ما إن مفاتحَه لتنوء بالعصبة أولي القوة..

وترى فيها مَن نُحِتوا على عُملة أوطانهم كذكرى بائسة..

 

ستقول لي: إن الذين كتبتَهم الآن تمامًا كالذين نسيتَهم في وقتك الوحيد..

وأقول لك: سأنجز ما أردتُه

وأظلمُ مَنْ لم يُحالفه الحظ ليدخل في إرادتي..

سأنهي أقرب الأشياء ويتساوى البعيدون في النسيان..

سأغوي نفسي بغدها القريب حتى لو لم أضمن نتائج تخيّب ظني السيئ..