التطرف ومواجهة الإرهاب السيبرانى

«ونحن نمضى قدماً فى حربنا ضد الإرهاب، سيكون من المهم بالنسبة لنا تأمين الفضاء السيبرانى لتأمين الوطن ضد الهجوم الضار»

(نيك سميث).

شهد العصر الحالى تغييراً أسرع وأكثر شمولاً من أى وقت مضى فى التاريخ البشرى، فالثورة التى أحدثتها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ووفرة المعلومات، باتت المحرك الرئيسى لإعادة تشكيل جميع جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية. وفى ظل تزايد استخدام المنظمات الإرهابية للإنترنت استطاعت توظيفها كبديل للتواصل والدعاية علاوة على ما أتاحته لهم الشبكة من إمكانيات جديدة فى «حرب الأفكار»، من خلال نشر محتويات إرهابية وشرح للأسباب والدوافع وراء نضالهم ما دعاها للوجود والانتشار فى العالم الافتراضى من خلال مواقع الويب، والجرائد والمجلات على اختلاف لغاتها وكذا القنوات الإلكترونية الخاصة بهم. وبات هذا الانتشار والتهديدات الناشئة عنه يشكل خطراً على الأمن القومى للدول. وعلى مدار السنوات الخمس الماضية تنامى استخدام الجماعات الإرهابية لشبكة الإنترنت ما أدى إلى اهتمام العديد من الأكاديميين والمسئولين والجهات الأمنية بصياغة سياسات واستراتيجيات جديدة لمكافحة الإرهاب السيبرانى وذات إنفاذ قانونى فعال، لمنع وردع هذا النوع المستحدث من التطرف والإرهاب.

ويعد مصطلح الإرهاب السيبرانى مصطلحاً مثيراً للجدل اختلف حوله العديد من الخبراء والكتاب. وأحد أسباب هذه الاختلافات فى الرأى أنه لا الإرهاب ولا الإرهاب السيبرانى مصطلح واضح المعالم، فهو سواء استهدف الإنترنت أو البنى التحتية المعتمدة عليها أو أجرى بواسطتها فهو يمثل تهديداً خطيراً فالعديد من الجوانب الأساسية للمجتمع اليوم تعتمد اعتماداً كلياً على أداء أنظمة الكمبيوتر. وبالرغم من وجود تباين فى تعريف الإرهاب السيبرانى فإنه ما زالت هناك درجة من التوافق حول تعريفه. إذ يمكن تعريفه من مفهوم واسع النطاق أنه «أى هجوم عمدى يقع على شبكات المعلومات والبيانات، البنى التحتية الحرجة للمعلومات والاتصالات، نظم الكمبيوتر، برامج الكمبيوتر، نشر محتويات غير قانونية كالتهديد بهجمات إرهابية، إحداث خسائر اقتصادية من خلال التفجيرات، تحطم طائرات، الهجمات التى تعطل الخدمات الأساسية، التحريض على أعمال العنف والتدريب عليها، تعظيم الإرهاب، جمع التبرعات لتمويل الإرهاب، نشر العنصرية وكراهية الآخر».

وقد أدى انتشار وسائل التواصل الاجتماعى وبروزها فى حياة المراهقين إلى حدوث تغيير جذرى للأخلاقيات والسلوكيات، ما يحتم علينا كأفراد وحكومات أن نفكر بطريقة مغايرة لمجابهة تحدى التطرف.

ومن وجهة نظرى التخصصية والعملية، أتصور أن من طرق مجابهة هذا النوع من التطرف والإرهاب الروايات المضادة والبديلة بالتزامن مع تجديد الخطاب الدينى..

إن التعرض للدعاية المتطرفة -سواء على الإنترنت أو غيرها من الوسائل- أمر بالغ الأهمية، إذ تكمن فاعلية الروايات المتطرفة فى بساطتها، واستخدامها لكبش فداء، بالإضافة إلى نداءاتها العاطفية للخوف والغضب والعار والشرف. وقد وُضعت هذه الروايات رسائلها لاستغلال قضايا الهوية التى قد يواجهها العديد من الشباب، وعلى هذه السقالات يتم بناء أيديولوجياتهم العنيفة والإقصائية وبطريقة انتقال حيوية. لذا كان الاستخدام المهنى والمتطور لوسائل التواصل الاجتماعى من قبل تنظيم الدولة الإسلامية على وجه الخصوص بمثابة لعبة تغيير. حيث يقوم المتطرفون بتعبئة المساحات التى يستهلك فيها الشباب ويشاركون المعلومات ويختلطون ويتكونون اجتماعياً، علاوة على استخدامهم المتزايد لما يسمى الإنترنت المظلم «Dark Net»، وتركيز جهودهم على المواقع الرئيسية: فيس بوك، تويتر، يوتيوب، إنستجرام، الواتس آب، سناب شات،... إلخ.

ونجد أن رؤى البحث قد أشارت إلى ضرورة أن تكون الروايات المضادة والبديلة محورية فى مكافحة جهود التطرف العنيف، كما يشير أيضاً بعض المتطرفين السابقين إلى ضرورة التعرض لمصادر بديلة للمعلومات؛ تعرض النفاق والكذب للمتطرفين (على النقيض من الإثارة التى رسمتها الدعاية المتطرفة)، كأسباب رئيسية لفض الاشتباك، وهو ما يمكن للروايات المضادة والبديلة أن تقدمه من خلال مجموعة من الرسائل، والتى من الممكن أن يكون لها أثر محتمل فى تغيير المواقف والسلوكيات إلا أنه لا تزال هناك فجوة كبيرة فى المعارف والبحوث بشأن فعالية الحملات السردية المضادة والبديلة، وذلك لوجود عدد محدود حتى الآن من الحملات عالية الجودة ما يتطلب زيادة فى حجم ونوع الروايات المضادة والبديلة مع ضرورة توافر أدوات قياس رأى مناسبة، حيث إن عملية التطرف وعدم التطرف معقدة وتتطلب عوامل متعددة ما يجعل من الصعب تحديد وربط علاقة سببية بين التغيرات فى المواقف والسلوكيات والحملات السردية المضادة والبديلة. ولضمان نجاح هذا النوع من الحملات علينا الإجابة على أربعة تساؤلات: من الجمهور المستهدف، ما هى الرسالة، ما نوع الوسيط المستخدم، وأخيراً من هو السارد؟

فمن المهم أن نفكر فى كل هذه الأمور -«فلا يمكننا أن نصنع الكيك دون توافر جميع المكونات»- ولعل من الحكمة بمكان لاستقراء المستقبل الاستناد إلى الاتجاهات الحالية والتقدم التكنولوجى، والتفكير فى ما قد يفعله الإرهابيون لتقنياتنا فى المستقبل، ومدى جاهزيتنا بالمتطلبات الفنية، والتعليمية، والتدريبية، والتوعوية، والأمنية لمواكبة المستقبل. لا سيما أننا على موعد مع تطور أكثر نحو العوالم الافتراضية ومحطات العمل الخالية من الأقراص والحوسبة السحابية.

وتحليلاً للمشاكل الرئيسية التى تنشأ فى سياق الإرهاب السيبرانى أصبح لازماً وضع بعض القواعد والإجراءات للحد من ظاهرة الإرهاب السيبرانى أمام المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب:

وضع استراتيجية وطنية لمواجهة التحديات المستقبلية ومكافحة التطرف والإرهاب السيبرانى مع ضرورة التركيز على تقويض مصداقية الدعاة الداعين للتطرف. ضرورة بناء الحكومات «روايات مضادة» للدعاية الإرهابية على الإنترنت وتوضيح آليات بناء هذه الروايات، وإمكانية صنعها بالتعاون مع دول أخرى.

التركيز على صناعة المحتوى والهوية الثقافية والدينية على شبكة الإنترنت.

تركيز الجهود الدولية لتطوير وتحديث التدابير الإجرائية والوقائية التى تستهدف مكافحة نشر محتويات غير قانونية على شبكة الإنترنت، إما من خلال التركيز بشكل خاص على المحتويات الإرهابية أو بطريقة أكثر عمومية من شأنها أن تشمل أنواعاً أخرى من المحتويات غير القانونية أخذاً فى الاعتبار القواعد المتعلقة بمسئولية مزودى خدمات الإنترنت.

وأخيراً ضرورة تفعيل اتفاقيات مكافحة الإرهاب السيبرانى على المستوى الدولى.