التحرش قبل 102 سنة
- إشارات بذيئة
- الآداب العامة
- الإجراءات الأمنية
- الإجراءات القانونية
- التحرش بالفتيات
- التخلص منه
- الجيل الحالى
- الخديو إسماعيل
- الرجل والمرأة
- أجيال
- إشارات بذيئة
- الآداب العامة
- الإجراءات الأمنية
- الإجراءات القانونية
- التحرش بالفتيات
- التخلص منه
- الجيل الحالى
- الخديو إسماعيل
- الرجل والمرأة
- أجيال
نشكو من ظاهرة التحرش بالفتيات والسيدات فى الشوارع والميادين ومناحى الحياة الأخرى، وهناك الكثير من الدراسات والتحليلات جرت حولها، ويمكننا القول إن الظاهرة بدأت فى الانحسار منذ منتصف سنة 2014، بعد الإجراءات القانونية والمحاكمة السريعة لأحد المتحرشين، فضلاً عن الإجراءات الأمنية الصارمة التى اتُخذت تنفيذاً للقانون الذى يجرّم عمليات التحرش. والانطباع السائد لدى كثيرين أن هذه الظاهرة جديدة تماماً علينا، وأنها تعكس تدنياً أخلاقياً ازداد معدله فى السنوات الأخيرة، بل قطع البعض أنها المرة الأولى التى يشهدها المجتمع المصرى، غير أن المتاح لدينا من مصادر المعلومات يؤكد أن الظاهرة ليست جديدة تماماً، وأن مجتمعنا تعرّض لها وعانت منها الفتيات والنساء من قبل فى بعض الفترات التاريخية.
أمامنا رصد تسجله جريدة «السفور» قبل أكثر من قرن لتلك الظاهرة، وإن لم يكن اسمها آنذاك «التحرش».
فى «السفور»، العدد 6، بتاريخ 25 يونيو 1915، يكتب د. منصور فهمى، كانت الصحف تمنحه لقب «فيلسوف»، وصار وزيراً فيما بعد، مقالاً بعنوان «آدابنا»، بدأه بالقول: «يحزننا أن نقرأ فى كثير من الصحف أخباراً عن تعرُّض فتياننا فى الميادين والطرق للمحصنات من النساء على وجه يخلو من الذوق ومن حسن الأدب، حتى لبلغ التبرم من السيدات فيما يروين أنهن خرجن من حلمهن ورفقهن إلى صفع أقفية جامدة».
الواضح أن أخبار المضايقات للنساء نُشرت فى كثير من الصحف، أى أننا لسنا بإزاء حالات فردية، ولكن حالات متعددة، وبلغ الضجر بالسيدات أن قمن بالرد وضرب المتحرشين على «أقفيتهم الجامدة»، كان الضرب على القفا سائداً فى ذلك الزمان، ويتوقف د. منصور فهمى، عند واحدة من تلك الوقائع نشرتها الصحف، تتلخص فى أن «طالباً انقضّ على فتاة فى العتبة الخضراء يقبلها فزحزحه الشرطى عنها ليقوده إلى القسم»، لنتذكر أن واقعة «فتاة العتبة» تلك كانت سنة 1915، وسوف تتكرر فيما بعد، بأشكال أخرى.
ويطالب «منصور» السلطة بأن تشرع وتسن من القوانين ما يكفى «لحماية السيدات الكريمات من مضايقة السفهاء من الرجال»، ويألم لأن المجتمع يخاف من العقاب بدلاً من أن يفهم أفراده «جمال الفضائل وقبح الرذائل»، فلا يرتكبوا ما يؤلم السيدات، وهو يفسر الظاهرة بأنها تعبّر عن «نقص آداب المعاملات عندنا بين الرجل والمرأة».
الأدق أن قطاعاً من الرجال والشبان لا يرون فى المرأة سوى جسد مثير يجب انتهاكه بكل السبل، وبعضهم يتصور أن ذلك معيار رجولته وشبابيته.
قبل مقال منصور فهمى بأسبوعين، كتبت إحدى السيدات مقالاً فى «السفور» أيضاً بعنوان «حجّبونى»، كانت تتذكر فيه أيام أن كانت طالبة فى المدرسة السنية للبنات، تقع هذه المدرسة فى منطقة السيدة زينب، مواجهة لشارع المبتديان، وتأسست زمن الخديو إسماعيل، تحكى السيدة أنها كانت ترتدى النقاب فى ذهابها أو عودتها من المدرسة، وكلما ضايقتها حرارة الجو ترفع النقاب عن أنفها لتتنفس قليلاً، وتقول: «لا أكاد أفعل ذلك حتى أرى أنظار الناس المتوجهة إلىّ وهى تطفح وقاحة وأذى»، فتضطر إلى أن تعيده ثانية، وتسترسل: «لا أريد أن أعيد إلى ذاكرتى تلك الألفاظ السمجة التى كنت أسمعها من أفواه المتسكعين من الرجال فى أى مكان سرت»، وكانت كلما شكت إلى أمها ما تتعرض له سمعت رداً واحداً، وهو أن ذلك يعبر عن «قلة أدب».. «قلة تربية». والواضح من المقال أن تلك الوقائع كانت قبل سنوات عديدة، ذلك أنها بعد أن تخرجت فى المدرسة قبعت فى البيت ثم تزوجت وأنجبت طفلين، ثم انفصلت، وبعد كل هذا اتجهت إلى الكتابة.
تعود هذه السيدة نفسها لتكتب مقالاً آخر، عدد 18 يونيو 1915، بعنوان دالٍّ جداً، وهو «الرجال يؤذوننا»، المقال ملىء بالتفاصيل التى تثبت شيوع تلك الظاهرة، سوف أتوقف عند بعض الجمل منه، مثل «إن وقاحة المتسكعين من الرجال لم تكن قاصرة على التعريض بكرامة الخاطرات فى الطريق من النساء أو الراكبات منهن فى العربات، بل تعدت إلى المنزويات منهن فى الخدور»، كان يكفى أن تطل أى فتاة أو سيدة من شرفة بيتها أو من النافذة قليلاً، حتى تسمع قبيح الكلمات، وتتعرض لنظرات وقحة، وتحكى أن بعضهم كان يصدر تجاه الفتاة أو السيدة إشارات بذيئة بيديه، وتلخص ذلك كله بالقول «عيشة مُرّة.. وأمر مؤلم».
بعدها -9 يوليو 1915- تكتب سيدة أخرى، أنها خرجت فى الصباح إلى السوق، وبعد أن قضت حاجتها توجهت إلى محطة الموسكى لتركب «الترام»، وهناك قابلها شاب فى نحو الخامسة والعشرين، أسمر اللون، قصير القامة، معجب بنفسه، وتقول: «أخد يتكلم بألفاظ سمجة وعبارات سخيفة»، واستمر على هذا النحو يكرر «عبارات غزل باردة»، المهم أنها فى النهاية زجرته وهددته بأنها سوف تذهب إلى البوليس، فرد عليها: «وماله مش أروح وياك».
لا أذكر ذلك كى نعطى مبرراً أو للتخفيف من حدة جريمة أو جرائم تتعلق بالنساء والآداب العامة، ولا نحاول أن نقدم لها نوعاً من الشرعنة، فقط ليتذكر أولئك الذين يعشقون العودة للماضى، ويتصورون أن الجيل الحالى هو مصدر السوء، وأن الأجيال السابقة كانت منبت العفة والطهر، أن تصورهم هذا مبالغ فيه، وكذلك الذين يركنون إلى تفسير كل سلبية بأزمة المساكن وأزمة التضخم والبطالة، وقتها لم تكن هناك مثل هذه الأزمات، كذلك فإن المجتمع، أى مجتمع، معرّض لظواهر سلبية أو مظاهر انحطاط، والمهم هو كيف يتعامل معها تعاملاً صحيحاً، فلا يهوّن منها، كما لا يهوّل حولها، المهم أن يواجهها، ويتم تحجيمها، ومن ثم التخلص منها.