«الإمام الطبرى».. أبوالتفسير والتاريخ الإسلامى

كتب: عبدالوهاب عيسى

«الإمام الطبرى».. أبوالتفسير والتاريخ الإسلامى

«الإمام الطبرى».. أبوالتفسير والتاريخ الإسلامى

عاش الإمام الفذ والعالم الموسوعى محمد بن جرير الطبرى (224هـ - 310هـ) فى وقت اضطرابات بالدولة العباسية فى منتصف القرن الثالث الهجرى وقد شهدت حالة من الضمور والضعف السياسى، واشتد فيها التنازع على السلطة وظهرت الدول المستقلة داخل الدولة العباسية، وعلى النقيض من هذا الضعف السياسى كانت الحالة العلمية فى ازدهار كبير، فقد استقرت أغلب العلوم والمذاهب الفقهية على يد علماء ومجتهدين خلد الدهر أسماءهم وكان على رأسهم «الطبرى» الذى جاب المشرق والمغرب طلباً للعلم بدأها من بلدته آمل من أعمال طبرستان التى ولد وتربى فيها وظهرت براعته وذكاؤه فى وقت مبكر، وأدرك والده ذلك فهيأ له الظروف وخصص له المال المطلوب للإنفاق على عملية التعلم، فوهب «الطبرى» نفسه للعلم، وجمع كل ما كان فى بلدته من علوم، ورحل طلباً للعلم إلى بلاد فارس وهو فى الثانية عشرة من عمره، ثم انتقل إلى العراق ثم الشام ثم إلى مصر فى عام 253هـ ونزل الفسطاط، وتعلم فقه الإمام مالك وأخذ فقه الإمام الشافعى من تلاميذه فى مصر، وتعلم القراءات، ثم رحل عنها إلى بغداد، حاضرة الخلافة، بعدما جمع وأتقن القراءات والتفسير والحديث وعلومه والفقه وعلم الكلام -التوحيد- والتاريخ وعلوم العربية وأشعار العرب والفلسفة والمنطق وأشياء من الطب والجبر، فصار أبرز علماء عصره وأهم المجتهدين المجددين.

{long_qoute_1}

ووجد «الطبرى» أن القرآن الكريم ليس له تفسير مستقل وإنما روايات تفسيرية عن النبى عبر الصحابة والتابعين واختلطت الروايات بكتب الحديث، حيث أفرد الرواة وأصحاب السنن أبواباً للتفسير فى كتبهم جمعوا فيه ما روى عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، أو الصحابة أو التابعين فى تفسير القرآن، فلم يكن هناك فى البداية تفسير كامل شامل للقرآن مرتب بترتيب المصحف من أول سورة الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران، وهكذا إلى آخر سورة الناس، فنهضت همة الإمام لتأليف تفسير شامل للقرآن.

يروى ابن السبكى فى طبقاته الكبرى: «أن أبا جعفر الطبرى قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: هذا ربما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره فى نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحواً مما ذكره فى التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنَّا لله، ماتت الهمم.. فاختصره فى نحو ما اختصر التفسير».

{long_qoute_2}

لقد حاز «الطبرى» على قصب السبق بفكرته التفسير الشامل للقرآن فكان له أوَّلية زمنية، وأوَّلية من ناحية الفن والصناعة، ففسر القرآن بالقرآن ثم بالسنة ثم بأقوال الصحابة والتابعين، واعتنى بالقراءات والمعنى اللغوى، والنحو والشعر، واجتهد فى استنباط الأحكام الفقهية ومناقشة المسائل العقائدية وتفصيلها، ليكون بذلك أول تفسير موسوعى للقرآن الكريم فى التاريخ، والمرجع الأهم لكل من أتوا بعده لأكثر من 1000 عام من تاريخ الإسلام.

يقع تفسير الطبرى فى 30 جزءاً وقد ظهر فى عهد قريب بعد أن كان مفقوداً حيث وجد فى حيازة أمير «حائل»، الأمير حمود ابن الأمير عبدالرشيد، من أمراء نجد، نسخة مخطوطة كاملة من هذا الكتاب، طُبِع عليها الكتاب من زمن قريب، فأصبحت فى يدنا دائرة معارف غنية فى التفسير المأثور.

وتعددت أيادى الإمام الطبرى البيضاء على المسلمين، وأنشأ العلامة الثبت مذهباً فقهياً خاصاً به سمى بالمذهب الجريرى فى الفقه بعد أن بلغ باتفاق العلماء مرتبة الاجتهاد المطلق، يقول ابن النديم، «وله مذهب فى الفقه اختاره لنفسه وله فيه عدة كتب» وقال الفرغانى ألّف كتاباً سماه «لطيف القول فى أحكام شرائع الإسلام» جمع فيه مذهبه، وله أيضاً اختلاف الفقهاء.

ولم يكتف الإمام الطبرى ذو الهمة العالية والنفس العظيمة بأن يكون أباً للتفسير ولا بالمذهب الفقهى الذى أسسه، فأضاف إلى ذلك جهوداً فى التاريخ حملت العلماء لأن يطلقوا عليه أبوالتاريخ الإسلامى بعد أن شهد التأريخ انفصالاً عن السنة كما التفسير وألّف فيه الإمام الطبرى سفره العظيم «تاريخ الملوك والأمم»، الذى أصبح من أهم كتب التاريخ الإسلامى، فقد حوى كمّاً هائلاً من الأخبار، لذلك فهو مصدر أساسى لكل باحث فى تاريخـنا الإسلامى، أورد فيه تاريخ العالم قبل الإسلام، منذ بدء الخليقة بخلق آدم، ثم سير الأنبياء وتاريخ ملوك الروم والفرس، والعرب قبل الإسلام، وفى القسم الثانى أورد تاريخ العالم بعد الإسلام ابتداء بنزول الوحى، والعهد النبوى ثم العهد الراشدى، ثم الأموى ثم العباسى مستمداً التاريخ من كتب سابقيه فى التفسير والسير وترجمات كتب التاريخ للدول المحيطة كالفرس والروم، ومن تاريخ بنى إسرائيل نقل «الطبرى» قصصهم وأخبارهم ليجمع بذلك أول كتاب فى التاريخ العام، ما حمل الناس على الإقبال على كتابه الجامع الشامل فى التاريخ وهجر الكتب الصغيرة المحدودة بزمان أو مكان معينين.

وقد تلقى العلماء الذين عاصروا «الطبرى» أو من جاءوا بعده تاريخه بالتهليل والإكبار، فقال ابن خلكان: «تاريخ الطبرى أصح التواريخ وأثبتها»، لقد كان «الطبرى» عالماً فريداً ورعاً زاهداً، يقول عنه ابن كثير: «كان من العبادة والزهادة والورع والقيام فى الحق لا تأخذه فى ذلك لومة لائم»، كان رحمه الله عازفاً عن الدنيا تاركاً لها ولأهلها يرفع نفسه عن التماسها، ويروى «الطبرى» عن نفسه يقول: «أبطأت عنى نفقة والدى فاضطررت إلى أن أفتق كمى قميصى، فبعتهما».

وكان الإمام الطبرى عفيف اللسان عظيم الخلق، يروى تلميذ له: «سألت أبا جعفر عن المسألة التى تناظر فيها هو والمزنى فلم يذكرها لأنه كان يرفض أن يحكى ظفره على خصم فى مسألة»، وقال عنه ابن خزيمة: «ما أعلم تحت أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير»، ويقول عنه الذهبى: «الإمام الجليل، المفسر، صاحب التصانيف الباهرة، من كبار أئمة الإسلام المعتمدين».

ولقد تميز الإمام الطبرى بشخصية قوية موضوعية، شجاعة، مؤمنة بحريته الفكرية، وهو ما أثار غيرة معاصريه منه، وكان من أشهر آرائه فى مذهبه قوله صراحة وبلا مواربة بجواز تولى المرأة القضاء خلافاً للجمهور، لذا فقد هاجمه الكثير لجرأته وشجاعته وحاولوا تقليب الناس عليه، لكن مكانة الشيخ كانت أرسخ من جبل.

ولم تقتصر شجاعة الإمام الطبرى على الفقه بل كان للحديث وعلومه نصيب وافر من بصماته الشجاعة، فحين عرف أن أبا بكر بن أبى داود السجستانى ينكر حديث «غدير خم» الشهير الذى قال فيه الرسول (من كنتُ مولاه فعلىّ بن أبى طالب مولاه). وهو حديث لطالما أثار ويثير حساسية عند متشددى الحنابلة الموصوفين بالسلفيين اليوم، وذلك نظراً لكونه المستند الأول للشيعة لإثبات أفضلية علىّ على أبى بكر وعمر، رضى الله عن الجميع، إلا أن «الطبرى» قد واجه هذه الدعوة المتشددة بقوة، فجمع طرق الحديث وبعد ثبات صحته صدح برأيه وأخرجه فى كتاب، يقول ابن عساكر: «عمل كتاب (الفضائل)، فبدأ بفضل أبى بكر وعمر وعثمان وعلىّ، وتكلم على تصحيح حديث غدير خم»

وبدأت الحساسية تظهر بشدة عند متشددى ومتعصبى زمانه، يروى الذهبى: «وكانت الحنابلة حزب أبى بكر بن أبى داود، فكثروا وشنّعوا على ابن جرير، وناله أذىً، ولزم بيته، نعوذ بالله من الهوى»، يروى ابن حجر: «وإنما نُبِرَ بالتشيّع لأنه صحّح حديث غدير خم».

غضب «الطبرى» من إساءتهم إليه وقال كما نقل ابن الجوزى فى المنتظم: «لا عصابة فى الإسلام كهذه العصابة الخسيسة».

وظل متشددو الحنابلة فى زمن «الطبرى» يؤذونه والإمام صامد على موقفه من الشجاعة والقوة. وفى شوال من عام 310هـ وافت الإمام الطبرى، رحمه الله، المنية كمداً مما يلقى من متطرفى زمانه، مات وهو ساخط وحانق وغاضب من ظالميه.


مواضيع متعلقة