«مسكويه» دعا لاحترام إرادة الإنسان وحريته

كتب: عبدالوهاب عيسى

«مسكويه» دعا لاحترام إرادة الإنسان وحريته

«مسكويه» دعا لاحترام إرادة الإنسان وحريته

عاش أبوعلى الخازن أحمد بن محمد بن يعقوب الملقب مسكويه (320 - 421 هـ) قرناً كاملاً وهو ألمع العقول العربية والإسلامية، فقد كان عالماً بالفلسفة والمنطق والفقه والأدب والتاريخ، وكان من أوائل الفلاسفة الذين جمعوا بين الأخلاق الفلسفية والدينية فى التاريخ الإسلامى، فقد اشتهر مسكويه باهتمامه بمجال الأخلاق وعرف خاصة بكتابه «تهذيب الأخلاق»، وفيه يرى أن الطريق إلى تحصيل الأخلاق هو معرفة نفوسنا أولاً، والإلمام بقواها وملكاتها وغاياتها وكمالها.

{long_qoute_1}

يقول عماد الهلالى فى تقديمه لكتاب «تهذيب الأخلاق»: «تأثر مسكويه بشكل كبير بأرسطو وأفلاطون، وهو يكون وفقاً لما تقتضيه الموضوعات والبحوث الفلسفية والأخلاقية أرسطياً حيناً وأفلاطونياً حيناً آخر. وفضلاً عن هذين الفيلسوفين، فقد نقل فى «تهذيب الأخلاق» و«الفوز الأصغر» أقوالاً عن سقراط وجالينوس وفيثاغورس وفرفوريوس وبروكلس، ونقد آراءهم، لكنه لم يبد اهتماماً كثيراً بالرواقيين. وضمن إطار العالم الإسلامى اهتم فى هذين الكتابين بفلاسفة، أمثال الكندى وأبى عثمان الدمشقى وآخرين».

يقول مسكويه عن الأخلاق، إنها «أفضل الصناعات كلها، وأعنى صناعة الأخلاق التى تعنى بتجويد أفعال الإنسان بما هو إنسان». ويعرف الخُلُق بأنه: «حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية. وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعياً من أصل المزاج، كالإنسان الذى يحركه أدنى شىء نحو غضب، ويهيج من أقل سبب، وكالإنسان الذى يجبن من أيسر شىء، كالذى يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه.. ومنها ما يكون مستفاداً بالعادة والتدريب، وربما كان مبدؤه بالرؤية والفكر، ثم يستمر عليه أولاً فأولاً، حتى يصير ملكة وخلقاً».

{long_qoute_2}

درس مسكويه علوم الأوائل اليونانية على يد ابن الخمار وكان له باع طويل فى هذه العلوم خاصة المنطق والطب وسمى «بقراط الثانى»، وكان نديم العديد من الأمراء والوزراء من آل بويه ومعاوناً لهم، منهم الوزير المهلبى «340-352» ثم أبى الفضل بن العميد الذى كان مسكويه مسئولاً عن مكتبته ومربِّى أبنائه وكان نديمه الذى لا يفارقه وكانا سوياً متحمسين للمدينة الفاضلة ويمارسان سوياً التأمل الفلسفى فى أحداث التاريخ وتجاربه والأخلاق، ثم عمل من بعده مع ابنه أبى الفتح بن العميد «360-366».

وقدا أبدى مسكويه استياءه من أبوالفتح وقال عنه: «فيه مع رجاحته وفضله فى أدب الكتابة وتيقّظه وفراسته نزق الحداثة وسكر الشباب وجرأة القدرة، فتطلعت نفسه إلى إظهار الزينة الكثيرة، وأول من أنكر عليه هذا الفعل عضد الدولة ومؤيد الدولة ابنا ركن الدولة» وقد نهل مسكويه فى هذه الفترة من الطب والكيمياء الكثير.

وانتقل مسكويه لرحاب أكبر أمير بويهى عضد الدولة «366-372» وكانت بغداد فى النصف الأول من القرن الرابع الهجرى تعيش اضطراباً واسعاً وتحولت إلى مدينة مهجورة حيث زادت هجرة الناس عنها بسبب انعدام الأمن وكثرة المجاعات والصراعات المذهبية بين السنة والشيعة، فقد وقعت عام 348 هـ حرب شديدة بين السنة والشيعة قتل فيها الكثير واحترق من بغداد الكثير، وكان الخلفاء يحتفظون بسيادة معنوية بينما القوة توزعت بين دويلات عدة منفصلة عن الخلافة وفى عام 364 هـ دخل عضد الدولة بغداد فشرع فى إعمارها ودعم العلماء سواء المتكلمين أو الفلاسفة أو المحدثين والنحويين والأطباء والشعراء وعلماء الرياضة والهندسة بالأموال والعطايا الجزيلة، وبعد وفاة عضد الدولة انتقل مسكويه من عشق العلوم المادية الطب والكيمياء إلى عشق طب الأرواح لكونه الأشرف والأرقى، فقد كبر الشيخ الإمام ومالت نفسه للزهد والحكمة والتصوف بعد عقود قضاها فى رحاب الأمراء والوزراء وفى هذه المرحلة ألّف كتابين أساسيين فى فلسفة الأخلاق.

ويؤكد عماد هلالى أنه لا يمكن دراسة الأخلاق فى الفكر الإسلامى دون ذكر لمسكويه فقد كانت شهرة جميع فلاسفة الإسلام بغير الأخلاق ودراستها، أما هو فوقف عليها واعتنى بها أكثر من أى مفكر مسلم آخر، فجمع بين فلسفة أرسطو وأفلاطون وجالينوس والدين الإسلامى، وكان هدفه من دراسة الأخلاق لتقويم الخلق على أساس فلسفى سليم وحتى تصدر الأفعال من غير كلفة ولا مشقة، وقد عاصر مسكويه المنهج الصوفى فى الأخلاق والذى كان سائداً فى عصره وقد انتقده مسكويه، وقد حاول التخلص من النزاعات الشرقية التى التى تفسد انسجام التفكير الأخلاقى لعدم احترامها لحرية إرادة الإنسان فقد اهتم بالأخلاق الإنسانية الخاضعة للمنطق والمتجردة من الزمان والمكان والمذهبية، لقد أراد أن يسد نقصاً كبيراً فى الفلسفة الإسلامية التى اهتمت بالرياضة الطبيعية والإلهيات وغيرها من الأمور دونما اهتمام كافٍ بالأخلاق.

حاول مسكويه، كما يقول الدكتور أحمد محمود صبحى، فى الفلسفة الأخلاقية فى الفكر الإسلامى، ترويض النفس على التفكير حتى تصل للذة أكبر من لذات البدن والمال والسلطان، وتربية الشباب على الفضيلة، ومعرفة نفوسهم وملكاتهم وقواهم وغايتهم وكيفية الوصول للكمال.

ويعتبر كتاب «تهذيب الأخلاق» سفراً جامعاً لكل الوصايا الأخلاقية الدينية والفلسفية التى ينبغى أن يتحلى بها الفرد فى المجتمع، كما يقول على رمضان فاضل، فالنفس لدى ابن مسكويه ليست من جوهر الأبدان، وتتغذى وتتلذذ النفس على الأمور غير الحسية، البعيدة كل البعد عن الإدراك بالحواس الخمس، وماهيتها التشوق إلى معرفة الغيبيات، وإلى القياسات العقلية غير المبنية على الحواس الخمس، على الرغم من أن كثيراً من المعارف والعلوم تكتسبها عن طريق الحواس. وتتغذى النفس على ما لا يتغذى عليه البدن، فكلما ابتعدت عن الشهوات البدنية وتقربت من الفضائل والأخلاق ترقّت فى مراقى الفلاح. وكلما ابتعد الإنسان عن شهوات البدن، جلّت نفسه، وكلما انغمس فى شهوات البدن من مأكل ومشرب انحطت نفسه إلى المرتبة الحيوانية.

ويميز ابن مسكويه بين الأفعال الإنسانية التى يقوم بها الإنسان ويؤديها بإرادته الحرة وبين الأفعال غير الإرادية، فأفعال الإرادة إما أنها أفعال خير أو شر. ويفرق ابن مسكويه ويوضح طبيعة الأفعال الإرادية الخيّرة والأفعال الإرادية الشريرة فيقول: «الخيرات هى الأمور التى تحصل للإنسان بإرادته وسعيه فى الأمور التى من أجلها خُلق الإنسان. والشرور هى الأمور التى تعوقه عن هذه الخيرات بإرادته وسعيه أو كسله وانصرافه».

يرى ابن مسكويه أن هناك ثلاث صفات إذا تحلى بها الإنسان كان إنساناً كاملاً - بحسب فاضل- وتلك الصفات من وجهة نظره تعتبر من الصفات التى تميزه عن سائر المخلوقات وهذه الصفات هى: التمييز الصحيح، والتفكير الدقيق، وحسن الاختيار.

ويرى مسكويه أن الفضائل أربع، هى: الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة، وانتقد ابن مسكويه الكثير من الآراء الفلسفية القديمة التى تقول بأن الإنسان شرير بطبعه، أو أنه مجبول على فعل الشرور أو أن الخلق طبع لا يمكن تغييره، ويرى أن الإنسان يكتسب الخلق عن طريق التأدب والتعليم والوعظ، فالإنسان له صفات تميزه عن غيره وتلك الصفات يمكن للإنسان أن يصقلها، من خلال الشريعة، فيقول: «الشريعة هى التى تقوّم الأحداث وتعودهم الأفعال المرضية وتعد نفوسهم لقبول الحكمة وطلب الفضائل والبلوغ إلى السعادة الإنسية بالفكر الصحيح والقياس المستقيم، أو من خلال الفلسفة فيقول: «الفلسفة تنقسم إلى قسمين؛ الجزء النظرى والجزء العملى، فإذا كمل الإنسان بالجزء العملى والجزء النظرى فقد سعد، أما كماله الأول بإحدى قوتيه أعنى العالمة وهى التى يشتاق السعادة التامة بها إلى العلوم فهو أن يصير فى العلم بحيث يصدق نظره وتصح بصيرته وتستقيم رؤيته فلا يغلط فى اعتقاد ولا يشك فى حقيقة وينتهى فى العلم بأمور الموجودات على الترتيب إلى العلم الإلهى الذى هو آخر مرتبة العلوم ويثق به ويسكن إليه ويطمئن قلبه وتذهب حيرته وينجلى له المطلوب الأخير حتى يتحد به وهذا الكمال يتم بالقوة الأخرى أعنى القوة العاملة فهو الذى نقصده فى كتابنا هذا وهو الكمال الخلقى ومبدؤه من ترتيب قواه وأفعاله الخاصة بها حتى لا تتغالب وحتى تتسالم هذه القوى فيه وتصدر أفعاله كلها بحسب قوته المميزة منتظمة مرتبة كما ينبغى وينتهى إلى التدبير المدنى الذى يرتب الأفعال والقوى بين الناس حتى تنتظم ذلك الانتظام ويسعدوا سعادة مشتركة كما كان ذلك فى الشخص الواحد».


مواضيع متعلقة