إن للجهل والتجهيل أعمدة؛ أولها: التشبث بالقديم، والعيش فى الماضى، وتقليد موتى القرون الوسطى وعصر الظلمات، والاقتداء بهم، باعتبارهم مثالا يُحتذى، وهذا ما جعل العرب والمسلمين، سجناء التاريخ، يفتشون عن مستقبلهم فيه. وثانيها: الخوف والتخويف من الجديد، ومن مخالفة المفاهيم السائدة، والخروج على قوانين وعلوم السلف، وقمع رغبة الإنسان فى التحقق من صحة المعلومات المتوارثة، مما يمنع ظهور أية أفكار جديدة، وبحوث جديدة، وحقائق جديدة.
إن المناخ السائد فى المجتمعات العربية والإسلامية مناخ قائظ مظلم موبوء لا يساعد على نمو شجرة المعرفة والإبداع، لأنه يفتقد إلى أبسط وأهم شروط الحياة، ألا وهما ضوء الشمس، والماء. أعنى الحرية، والدعم والتشجيع. وثالث أعمدة الجهل والتجهيل يتمثل فى تزوير الحقائق التاريخية والعلمية والتعتيم عليها أو إخفائها خدمة لأفكار قديمة سابقة. لكننى أود الخوض قليلا فى ثقافة اسمها ثقافة الجهل، يشعلها بعض إخوتنا فى الدم تجاهنا، وثقافة أخرى هى ثقافة التسامح، نحن المصريين من ابتكرها، عشنا بها، سافرنا بها، وما زالت هى الثقافة المهيمنة على سلوكنا فى أى وقت.
من الثابت أن الإسلام لم يكن يصادف نجاحا إلا عندما كان يهدف إلى الغزو. حين يغيب الممتاز يصبح للجيد قيمة، وحين يغيب الجيد يصبح للضعيف قيمة.
ولعلنا نعايش عصر انقلاب الموازين، وضياع المكانات والغايات.. فكل شىء يصبح جائزاً، ولا يُعرف فرق بين غث وسمين، وصالح وطالح.. إذا انصرف الراعى عن قطيعه لا يلام الذئب على مكره! كذلك أقول: إذا حل التفهاء محل العظماء، لا يُلام التفهاء على صنعهم! فتلك بضاعتهم.. وذلك مكان «حر»، حيز من فراغ لم يشغله أحد قبلهم.. إنهم أحرار، يفعلون ما يريدون، ويقولون ما يشاءون! ولكن، من الجانى؟ أقرر ها هنا بلوعة وأسى أن الجانى هى أمة المليارين.. ومن المجحف حقا فى حق هذه الأمة أن ينسحب أصحاب الكفاءات ويختبئوا وراء الحجب ليخلفهم أصحاب التفاهات وتدوّن أسماؤهم فى الكتب! وسندرك خطورة الأمر حين ينمى إلى علمنا
أن الثقافة أو المعرفة هى الرغيف الذى يتغذى عليه العقل، على أن الثقافة culture مفهوم حمال أوجه، وشيوعه يجعل من الصعب تعريفه.. فإننا نحاول أن نأخذ مفهوما موجزا جامعا فنقول إن الثقافة هى مجموعة المعارف والمهارات المرتبطة بجميع شئون الدنيا.. والتى تشكل فى مجملها منهج حياة.. ولكم فقدنا من رجال -عرفنا بهم الثقافة الحقة- عاشوا بيننا نسوراً، ومدوا أجسامهم جسوراً.. ليعبر عليها العابرون بأمان! هؤلاء الموتى الذين لا يزالون بيننا أحياء.. فلله درهم! لقد انسلت خيوطهم واحدا بعد واحد، وفقدنا الكثير من المعادن.. حتى كادت ساحة الجهاد أن تبقى فارغة.. لا رجال عندنا ولكن أشباه رجال.. انتشر القبح حولنا واندثر الجمال.. فما كان للمهمات إلا أن تسند لغير أهلها، وتركت مواريثنا الحضارية نهبا لأعداء الأمة يصولون فيها ويجولون.. وظهر فى زمننا هذا من يدعون الثقافة والعلم.. بعد أن تعلموا كلمة من هنا، وجملة من هناك، وانبرى هؤلاء المتثقفون بثقافة الغرب فأخذوا يمجدونها.. ثم يهضمونها، ثم ينشرونها ويروجون لها! فهذه هى البلادة التى انتهت عندها أمتنا!