فذهبت (قصة قصيرة)
ما إن جلسا إلى إحدى الطاولات في ركن بنادي حرس الحدود الذي يحتضنه نيل القاهرة واعتاده هو دومًا، حتى بادرها: "الأمور كلها جرت بسرعة تعرفت إليك، وبعد أيام قليلة أصبحتِ خطيبتي.. أنا سعيد لذلك". قالها وكانت عيناه تلمع فرحًا وتنتظر كلمات إطراء وحب مفعمة بالخجل، إلا أنها خيّبت ظنه وأجابته مكتفية بابتسامة باردة.
تجاهل ردها بعدما ظنّ أنّ هذا خجل الفتاة الذي سمع عنه، همس وقال: "حبيبتي.. اليوم هو أول يوم في عمر خطبتنا.. ونريد الاحتفال به في كل لحظة"، رمقته بعينيها الزائغتين واكتفت بهز رأسها بالإيماء. لم يقِل حماسه، قال: "لم أقاوم جمالك وحسنك، حينما رأيتك على المسرح تؤدين دور البطلة كنتِ ترقصين كالفراشة، تتحركين كاليمامة، وتنطق شفتاك شهدًا وسكر، تملكني ذبذبات جسدك وشذى عطرك فأغشت عيناي بألا ترى سواكِ على المسرح.. فهرعت إلى والدك أطلب يدكِ". رمقته ثالثة وابتسمت كأنها تجاهد أمرًا عسيرًا بداخلها.
لم يقل شغفه المليء بالإعجاب وراح يتغزل فيها آملًا أن تجاريه، قال لها: "يبدو أنك تخجلين منيّ.. وأنا على العكس من أمرك رغم أنني لست كذلك.. علينا أن نتحدث عن أنفسنا أكثر كي يعرف كل منّا الآخر دون خجل أو كسوف.. دعينا ندردش.. سأحكي لكِ عن آخر مرة عرفت فيها فتاة وأحببتها، كانت منذ ثلاثة سنوات، لكن كان حب من طرفي أنا فقط.. يا لحماقتي كنت أبله ذلك الوقت...."، تنهد، وتصاعدت آهاته ثم استطرد: "وماذا عنكِ؟". هنا ظهرت على وجهها أمارات حزن جاهدت أن تخفيها لكنها لم تستطع..
أرسلت إليه نظرات ذات معنى والتقت عينياهما للمرة الأولى منذ جلوسهما، لكنّ ذكائه خانه هذه المرة ولم يعد قادرًا على قراءة ما يخفيه لمعة عينيها.. فكّت لُغز حالتها وقالت: "ليس عندي ما أقول"، أحسّ في صوتها بنبرة غريبة.. غير تلك المعتادة لاثنين قد ارتبطا منذ ساعات قليلة.. لم يسمع مثلها من قبل.. ارتعد قلبه خوفا وقال: "ما بكِ؟".. لم تستطع أن تحبس دموعها.. انسابت على خديها.. فأمسكت منديلًا تجففها.. وخرجت أصوات معاركها العاطفية الداخلية إلى مسامعه: "أنا أحبّ شخصًا آخر تفارقنا قبل أيام من خطبتي بك.. لكنني أحبه حتى الآن.. في آخر لقاء تشاجرنا بضراوة وأدركت وقتها أنني لست عنده إلا وقت ممتع يقضيه معيّ.."، بدت ضعيفة وبدا كلامها كالسكين الذي يقطع أحشاء خطيبها، وما أن تداركت خطأها حتى اعتذرت وطلبت أن تذهب إلى المرحاض في محاولة للتخلص من صراعها النفسي، وإعادة الأمور إلى نصابها.. لم تكن تريد أن تفتح جراحها لكنّها لم تتمكن من حبس مشاعرها وحبها الأول الذي استمر خمس سنوات، تسللت إلى المرحاض، وتسلل إلى قلبه آهات مكتومة؛ فكتم صراخًا يضج به صدره. لملم مشاعره وانطفأ وهجه، وما إن عادت حتى اعتذرت عن ما بدر منها..
تظاهر بالتماسك كأن شيء لم يكن.. ألجم طاقة الغضب المحبوسة داخلة سعيا في عدم إشعارها بأية حرج.. وساد صمت قليل بينهما كان أثقل وطأة عليه.. احتشدت قشعريرة ألم تحت جلده، وتعَكر صفو ملامحه.. بينما هي لم تتفوه بحرف؛ كأنها طفلة ارتكبت ذنبًا وتخشى العقاب.. وجم السكون برهة حتى قطعه بإشارة إلى النادل للانصراف..
استدارا يشقان الطريق في خطى متثاقلة ضلت طريقها.. الشارع خالِ.. لا شيء يدفع عن الانشغال بحالهما.. تظاهرا بالتماسك الذي أنهكهما.. وحاولا اضطهاد الكآبة التي تمزّق قلبهما.. ترجلا حاملين ألمهما إلى أن وصلا إلى مفترق الطريق..