«قوص المركزى»: فوضى وإهمال يهددان المرضى.. والمستشفى مقلب «قمامة ونفايات»
«قوص المركزى»: فوضى وإهمال يهددان المرضى.. والمستشفى مقلب «قمامة ونفايات»
- أحمد النحاس
- إجراء عملية
- ارتفاع الأسعار
- الأنف والأذن
- البشرة السمراء
- البوابة الرئيسية
- التحاليل الطبية
- التهابات اللوزتين
- الشئون الاجتماعية
- الصباح الباكر
- أحمد النحاس
- إجراء عملية
- ارتفاع الأسعار
- الأنف والأذن
- البشرة السمراء
- البوابة الرئيسية
- التحاليل الطبية
- التهابات اللوزتين
- الشئون الاجتماعية
- الصباح الباكر
بوابة حديدية كبيرة فُتحت على مصراعيها، وأعلى جانبيها من الخارج توجد لافتة عليها ثلاث كلمات «مستشفى قوص المركزى»، كُتبت بأحرف جار عليها الزمن، وبين هذه البوابة الرئيسية وبوابة قسم «الجراحة العام» المقابل لها من الداخل، كان المرضى يتسارعون فى الدخول والخروج، فى حالة من الزحام طوال اليوم، وفى الداخل، حيث «العيادات»، كان الزحام قد بلغ مداه، وأمام كل عيادة وقف المرضى فى طوابير غير منتظمة، يأمل كل منهم فى الدخول قبل الآخر، حتى لا يسمع تلك الكلمة المعتادة «تعالى بكرة».
أمام عيادة الأنف والأذن، كانت غرفة أخرى خالية من الأطباء والمرضى، ومليئة بالمخلفات التى كادت تخرج من بابها المفتوح، لتنتشر رائحتها الكريهة بين المرضى الذين ألفوها من كثرة تردّدهم على المستشفى، وأمام هذه الغرفة، كان الستينى «رمضان شحاتة» جالساً القرفصاء على أرض الطرقة ينتظر دوره فى الدخول، وبجواره كان ابنه ذو الجسد الهزيل والبشرة السمراء التى ورثها عن أبيه، وفى الزحام وقفت زوجته تنصت إلى الأسماء التى ينادى عليها من الداخل لعل اسم زوجها يكون بينهم: «سمعى تقيل، وماباعرفش أشتغل، فقلت أقدم فى الشئون الاجتماعية علشان آخد أى معاش يساعدنى، بس أهو بقالى كام يوم دايخ علشان أعمل التقرير اللى الشئون طالباه منى، وكل ما آجى ألاقى الزحمة دى ومالحقش أدخل»، يقولها «رمضان» الذى بدأ فى سرد معاناته التى يعيشها منذ أيام داخل مستشفى «قوص»، والتى كان آخر ملامحها فى اليوم السابق مباشرة، حينما جاء إلى المستشفى فى الصباح الباكر، ليظل جالساً طوال اليوم فى انتظار دوره دون فائدة: «لقيتهم بيقولوا لى الدكتور مش موجود تعالى بكرة»، جملة كانت صادمة لهذا العجوز الذى يقطع مسافة تقارب الساعة فى الطريق من بيته إلى المستشفى، داخل وسيلتى مواصلات «ميكروباص»، يسير أحدهما به مدة لا تقل عن نصف الساعة فى طرقات وعرة وغير مستوية، وهو ما يزيد من آلام جسده المنهك، ليُغير من سياسته فى اليوم التالى، فربما يظفر بالدخول إلى الطبيب: «النهارده جيت من الصبح بدرى جداً، علشان ألحق أدخل، ومن الساعة 7 الصبح قاعد القعدة دى مستنى دورى».
{long_qoute_1}
ويشير «رمضان» بيديه المعروقتين إلى الغرفة المقابلة له، وقد ظهرت على وجهه آيات التعجب، ويقول: «الزبالة مرمية فى وشنا واحنا قاعدين مستنيين نكشف، والإهمال موجود فى كل حتة فى المستشفى دى، ومفيش دكاترة».
حالة من اليأس يعيشها هذا الرجل السبعينى ظهرت جلية فى نبرات صوته الحزين: «آدينا عايشين فيها حلاوة روح لحد ما ربنا يفتكرنا»، جملة قالها «رمضان» قبل أن تأتى إليه زوجته من أمام غرفة الكشف مسرعة، تخبره بأن دوره قد حان، ليقفز الرجل من مكانه منتفضاً وقد تبدّت على وجه ابتسامة «الظفر»، فيجرى إلى الداخل، مخترقاً ذلك الحشد المتمركز أمام باب العيادة.
وفى وسط هذا الزحام داخل قسم الجراحة العامة، وقف الأربعينى «محمد خميس»، ممسكاً فى يده طفلته المريضة بالتهابات اللوزتين، وفى حاجة إلى عملية جراحية لاستئصالهما، ليُعلق على الوضع قائلاً: «زى ما انت شايف، الساعة داخلة على 11، ولسه لحد دلوقتى الدكتور ماجاش، والناس بقت فوق بعضها»، لمدة شهرين كاملين تردد خلالهما «خميس» أسبوعياً على المستشفى، مصطحباً معه ابنته من أجل تحديد موعد للعملية، إلا أن آماله تخيب فى كل مرة ولا يتمكن من ذلك بسبب «الإهمال» وعدم اهتمام الأطباء بالمريض، على حد قوله: «اللى عايز يعمل عملية هنا لازم يروح للدكتور فى العيادة الخاصة بتاعته الأول، ويتفق معاه على نُص الأجر، علشان يرضى يعمل له العملية، ومفيش أى رحمة».
{long_qoute_2}
وداخل قسم العظام، جلس «محمد عباس»، أحد المرضى، وعلى وجهه آيات الغضب، فلم تكن المرة الأولى له داخل المستشفى، وإنما يتردّد عليه بين الحين والآخر، بسبب عملية جراحية أجراها فى ساقه اليمنى تستوجب المتابعة المستمرة: «عملت العملية فى مستشفى أسيوط الجامعى، بس باجى المستشفى هنا علشان أعمل أشعات وأغير على الجرح علشان الحاجات دى مكلفة برة».
صدام وقع فيه «عباس» مع أطباء مستشفى «قوص» فى بداية الأمر، وقت أن كان لا يعلم السياسة المتبعة فيه، إلى أن نصحه أحدهم بما عليه فعله: «عرفت إنك علشان تتابع هنا مع دكتور ويهتم بيك لازم تروح تكشف الأول ولو مرة واحدة عنده فى العيادة الخاصة بتاعته، وبعد كده الدنيا هنا هتبقى تمام».
«وكالة أبوهم، قاعدين فى عياداتهم الخاصة وسايبين الغلابة تموت هنا»، جملة قالها السبعينى «سعيد على»، من أمام عيادة الجلدية المغلقة، بعدما قطع مسافة ليست بالقليلة من قرية العليقات إلى المستشفى، ليقف أمام العيادة ما يزيد على ساعتين، إلا أنها ما زالت مغلقة: «دى مش أول مرة آجى مالقيش فيها الدكتور، وحتى لما بآجى وأكشف باشترى معظم العلاج من برة»، مطالباً الدولة بتوفير الإمكانات فى المستشفيات الحكومية، تخفيفاً عن كاهل محدودى الدخل مثله، الذين يعيشون على معاش الضمان الاجتماعى.
وفى الطريق ما بين مبنى الجراحة العامة وقسم الباطنة، كانت مشاهد القمامة المترامية فى غالبية أركان المستشفى، حيث كان ما يشبه «مقلب القمامة»، وبجواره كانت غرفة النفايات التى فتحت بابها بعد أن امتلأت عن آخرها، لتلفظ ما فيها إلى الخارج، فى صورة كانت هى الأبرز داخل المستشفى، وعلى بُعد خطوات قليلة منه، كان قسم الولادة، الذى وقفت داخله الثلاثينية «زمزم أحمد»، وبجوارها أم زوجها وشقيقه، وقفوا ثلاثتهم وقد كست وجوههم علامات الحزن ممزوجة بالغضب، ودموع «زمزم» لم تجف من على عينيها بعد، لترفع يدها إلى عينيها، فتمسح بطرف كُم عباءتها السوداء عن خديها ما تبقى من آثار البكاء: «أنا تعبانة جداً ومابقيتش قادرة أحط إيدى على بطنى من كتر الوجع، ومفيش حد هنا حاسس بينا، ومفيش مكان تانى بديل لينا فى قوص علشان أروح أولد فيه»، تقولها «زمزم» التى ظلت تتردّد على المستشفى لأسبوع كامل، فى انتظار إجراء عملية ولادة قيصرية، حُدّدت لها سلفاً، إلا أن يوماً جر آخر دون جدوى، وهو ما أقلقها وأقلق من حولها: «آخرها كان إمبارح، جيت وخلاص دخلت أوضة العمليات، بس خرجونى تانى ماعرفش ليه، وقالوا لى تعالى بكرة، وآدينى قاعدة أهو مستنية ماعرفش هيدخلونى النهارده ولّا هاستنى تانى».
«أموال كثيرة» تحتاج إليها «زمزم» لإجراء عملية الولادة خارج مستشفى قوص، وهو ما يُشكل صعوبة عليها وعلى زوجها «الأرزقى»، ومن ثم لا تجد سبيلاً آخر سوى الانتظار، فإما الولادة وإما وفاتها والجنين أو أحدهما: «الدكتورة اللى أنا متابعة معاها بره قالت لى إن الميه اللى حوالين الطفل فاضل لها يومين وتنشف خالص، ولو ده حصل، الطفل ممكن يموت فى بطنى».
أطراف الحديث يقطعها «محمد على»، ليعترض على الوضع الذى تعيشه زوجة أخيه منذ عدة أيام، معبّراً عن ذلك بنبرة غاضبة: «إحنا غُلبنا ومش عارفين نعمل إيه، وآخر ما زهقت كنت هاطلع إمبارح على المركز أعمل محضر فى المستشفى، علشان مش بعد ما الطفل يموت فى بطنها أو مرات أخويا يجرى لها حاجة، يرجعوا يقولوا ده نصيب وقدر».
وأكد الدكتور أحمد النحاس، مدير مستشفى قوص المركزى، أن الخدمات داخل المستشفى لا تُؤدَى على الوجه الأكمل، وأرجع ذلك إلى عدة أسباب، كان من أهمها عدم وجود شركة مسئولة عن أمن ونظافة المستشفى، بداية من شهر يناير الماضى، وهو ما شكّل أزمة كبيرة تعيشها من وقتها، فى حين كان يوجد بالمستشفى 45 فرد أمن وعامل نظافة، وإخلاؤهم بصورة مفاجأة كان له تأثيره الكبير من جميع الجوانب، ليضيف قائلاً: «دلوقتى جايبين حوالى 7 عمال تابعين للإدارة الصحية، تم انتدابهم بصفة مؤقتة، بس للأسف أغلبهم فوق الخمسين سنة، ده غير أن فيهم ناس مريضة، وبالتالى وجودهم مش عامل حاجة، خصوصاً أن المستشفى فيه 10 مبانٍ».
ومن الأسباب التى أدت إلى سوء الخدمة المقدّمة من مستشفى قوص المركزى للمرضى، كما ذكر «النحاس»، تمثلت فى فترة كبيرة خلال الشهور الماضية، عاشها المستشفى بنقص شديد فى الأدوية، نتيجة رفض بعض الشركات توريد الأدوية لها بسبب ارتفاع الأسعار، وهو ما شكّل أزمة كبيرة عانى منها المستشفى، وكذلك هناك سبب آخر من الأسباب المؤدية إلى الوضع الحالى الذى يعيشه المستشفى، وفق «النحاس»، هو النقص الكبير فى كوادر المستشفى فى بعض التخصصات، مثل الجراحة والتحاليل الطبية، والباطنة، والأشعة والمسالك البولية، وهو ما شكل أزمة وزحاماً دائماً ومستمراً تعيشه هذه الأقسام فى أغلب فترات اليوم.
700 ألف مريض يقدم لهم مستشفى قوص المركزى خدماته لـ26 قرية محيطة به، وهو عدد ربما يكون قد زاد خلال الآونة الأخيرة، حسبما قال «النحاس»، مشيراً إلى أن عدد المترددين على قسم الاستقبال بالمستشفى يتخطى حاجز الـ24 ألف مريض سنوياً، بالإضافة إلى 21 ألف مريض سنوياً يتردّدون على العيادات الخارجية، فضلاً عن 10 آلاف عملية جراحية يجريها المستشفى سنوياً، وقد تزيد على ذلك، مضيفاً: «كل ده بيعمل ضغط على المستشفى، لأننا بالأعداد دى نعتبر المستشفى رقم 2 هنا فى قنا بعد مستشفى قنا العام».
صورة أخرى من صور الإهمال الذى يعيش فيه مستشفى قوص المركزى تمثلت فى عدم وجود شبكة للصرف الصحى، مما يجعل إدارة المستشفى تعتمد على نفسها فى «كسح» مياه الصرف يومياً، ليضيف «النحاس»، قائلاً: «أنا نفسى مابقيتش عارف أشتغل فى المستشفى من كتر الإهمال اللى هنا، وقدمت استقالتى 9 مرات، وكل مرة تترفض، وده كله رغم أن فيه قرار صادر من سنة كاملة بإدراج مستشفى قوص تبع مشروع تحيا مصر للتطوير بمبلغ 40 مليون جنيه، إلا أن كل ده لحد دلوقتى لسه كلام على الورق».

