الجدال حول إقالة واحتجاز الرئيس محمد مرسى وفقاً لـ «خارطة المستقبل» التى أعلنها الفريق أول عبدالفتاح السيسى يثير الكثير من القضايا الحيوية حول الوضع السياسى فى مصر وآفاقه المستقبلية.
ولا شك أن فى مقدمة تلك القضايا هو مدى مشروعية الإطاحة بالرئيس «الشرعى» للبلاد؟ وتلك -فى الحقيقة- هى حجر الزاوية فى حجج القوى المؤيدة للرئيس السابق، والتى يتمثل غالبيتها العظمى فى الإخوان المسلمين وحلفائهم. ولكن الأهم من ذلك، أن تلك هى الحجة الأساسية لكافة الأطراف الخارجية وعلى رأسها الولايات المتحدة وأوروبا الغربية التى وصفت -على الأقل فى البداية- ما وقع فى مصر على أنه «انقلاب» عسكرى، استناداً إلى حقيقة مؤكدة وهى أن الرئيس محمد مرسى قد تولى منصبه كرئيس للجمهورية من خلال انتخابات ديمقراطية، تمت على مرأى ومسمع من العالم كله، وأعطته بلا شك شرعية ديمقراطية لا يمكن التشكيك فيها. وتلك «الشرعية» هى التى كان يتمسك بها الرئيس السابق، والذى حرص فى خطابه الأخير يوم 2 يوليو 2013 على أن يذكرها ما يقرب من ثلاثين مرة!
غير أن هذه القضية (أى: شرعية الرئيس) تحتاج لبحث وتوضيح أكثر عمقاً وتوازناً:
من الناحية الأولى، يمكن مواجهة القائلين بلاشرعية الإطاحة بالرئيس السابق، بحجة أن ما يجرى فى مصر خاصة فى الشهور الأخيرة كان حركة ثورية أو حركة تغيير ثورى تمثل -فى الواقع- امتداداً لثورة 25 يناير التى أطاحت بالحكم «الشرعى» للرئيس الأسبق حسنى مبارك، وبالتالى فنحن إزاء حالة «شرعية ثورية» لا تختلف عن الشرعية الثورية للحركة التى أطاحت بحكم مبارك. والواقع أن تلك الحالة الثورية تصاعدت وسط حركة احتجاجية تنامت مبكراً منذ نوفمبر 2012 والإعلان الدستورى المشئوم لمحمد مرسى وما أدى إليه من تكوين «جبهة الإنقاذ» الوطنى فى أواخر 2012 والتى شكلت آلية منتظمة لمتابعة ومحاسبة حكم الرئيس مرسى والإخوان طوال العام السابق. وإذا كان من الصعب وصف نشاط «الإنقاذ» بأنه كان نشاطاً ثورياً، فلا شك أن هذا الوصف ينطبق على حركة «تمرد» التى بلورت عبقرية الشباب المصرى الثورى، وقدرتهم على الابتكار وابتداع أفكار المقاومة والثورة، مع الاحتفاظ بالطابع السلمى الكامل لها. وكما سبق أن ذكرت («الوطن» 29 مايو) فإن حركة تمرد عبرت عن أو لخصت خبرة وآليات ثورات مصر الثلاث الكبرى ثورة 1919، وثورة 1952، وثورة يناير 2012.
فإذا لم يسترح البعض لوصف الوضع الحالى فى مصر بأنه -من زاوية ما- امتداد للشرعية الثورية (25 يناير)، فإننا يمكن أن نعود إلى أدبيات علوم السياسة والاجتماع فى موضوع الشرعية! فأحد أبرز تصنيفات الشرعية فى تلك الأدبيات ترتبط بتقسيم شائع لعالم الاجتماع الألمانى الشهير «ماكس فيير» الذى فرق -فى مصادر الشرعية- بين الشرعية «الكاريزمية» (أى تلك الشرعية المستندة إلى شخصية قيادية استثنائية وملهمة) والتى يعتبر أشخاص مثل سعد زغلول وجمال عبدالناصر فى مصر، وديجول فى فرنسا، وماوتسى تونج فى الصين... إلخ. أمثله بارزة لها، ثم «الشرعية التقليدية» أى شرعية النظم التى تستند إلى التراث والتقاليد الراسخة فى المجتمع السياسى وأبرزها بالطبع شرعية النظم الملكية المستقرة لسنوات طويلة، والتى يؤمن الشعب بأحقيتها التاريخية فى الحكم. أما النمط الثالث من الشرعية فهو تلك الشرعية العقلانية القانونية، وأبرزها بالطبع النظم الديمقراطية والتى تستمد شرعيتها من احترام الدستور والقانون، وتستند إلى الآليات الديمقراطية من ترشيح ومنافسة سياسية وانتخابات عامة نزيهة.. إلخ. وإلى هذا النمط من الشرعية يستند نظام الحكم الذى أسفرت عنه ثورة 25 يناير، أى النظام الديمقراطى التعددى. إن مناط «الشرعية» فى هذا النظام هو قبول واختيار الشعب (أو بتعبير أكثر دقة، الغالبية الشعبية) لحاكم معين ولحزب معين من خلال الآليات الديمقراطية المتعارف عليها مثل الانتخابات العامة، فضلاً عن الأساليب الديمقراطية المختلفة للتعبير عن الرأى -ويعنى ذلك بداهة- أن الشعب هو الذى يمنح الشرعية أو يسبغها على حاكم معين، وهو نفسه فقط القادر على أن يسحبها منه! وذلك هو تحديداً ما حدث فى مصر! فالشعب الذى سبق وأن أعطى الشرعية للرئيس مرسى فى انتخابات عامة فى يونيو 2012 هو نفسه الشعب الذى قرر سحب تلك الشرعية منه فى 30 يونيو 2013 فى واحد من أكثر مشاهد التاريخ دلالة، وهو خروج ما لا يقل عن 17 مليون مصرى إلى ميادين وشوارع القاهرة وغيرها من المدن الكبرى على مرأى ومسمع من العالم كله، للتعبير عن رفضهم لحكم الرئيس مرسى، والإخوان المسلمين.
غير أن النقطة الثالثة هنا، والأهم -فى الواقع- هو ما يمكن أن نطلق عليه «شرعية الأداء»، أى: هل كان أداء الرئيس مرسى ملبياً أو متناسباً مع مقتضيات منصبه؟
إن شرعية وجود أى مسئول فى منصبه، أو أى حزب فى موقعه، ترتبط بداهة بقدرته على القيام بأعباء هذا المنصب أو الموقع، وليس فقط بمجرد توفر حقه القانونى فى شغل المكان. وللأسف، فإن حصاد عام بعد حكم الرئيس مرسى، والإخوان المسلمين، كان حصاداً بائساً! وربما كانت الحقيقة الأولى والمؤسفة هنا هى أن مصر لم تشهد انقساماً سياسياً فى تاريخها المعاصر، مثلما تم فى ذلك العام المشئوم، فضلاً عن عديد من العوامل الأخرى التى أسهمت فى تعميق الفشل العام! فقد تراجع الرئيس مرسى عن العديد من قراراته، فألغى قرار عودة مجلس الشعب المنحل، وقرر إقالة النائب العام أكثر من مرة، وأصدر إعلانه الدستورى المشئوم الذى أحدث حالة من الغضب العارم. غير أن المأساة بدت واضحة فى التباين الهائل بين الشره الشديد للسلطة السياسية لدى الإخوان المسلمين، وبين العجز المفرط عن الوفاء بمتطلبات هذه السلطة سواء أكانت رؤية، أو سياسات، أو قوى بشرية، فلقد ظهر مبكراً أن مشروع «النهضة» لم يكن سوى شعار أجوف، وأن هناك غياباً كاملاً لأى رؤية حول أى من السياسات العامة التى ترتبط بالوفاء بالحاجات الأساسية للمواطنين مثل التعليم والصحة والإسكان والنظافة... إلخ. ثم كانت الطامة الكبرى وهى افتقاد الحد الأدنى من الكوادر المؤهلة لتولى مسئوليات الحكم، والتى ظهرت واضحة، فجة فى اختيارات بعض المناصب الوزارية، وبدت أشبه بالهزل فى مواضع الجد!
أضف إلى ذلك الاختلال الذى أصاب العلاقة مع مؤسسات الدولة مثل القضاء والإعلام، فضلاً عن العداء مع المثقفين والمبدعين. وفى نفس الوقت استشرى خطر الإرهاب والجماعات التكفيرية فى سيناء، ثم انعكس هذا كله فى سياسة خارجية هبطت بمكانة مصر: عربياً، وأفريقياً، ودولياً!
وفى عبارة موجزة، فإن الأداء البائس -على كافة الأصعدة- للإخوان يخلع عنهم أى «شبهة» للشرعية كقوة يمكن أن تنال شرف حكم مصر!