الليلة الأولى (قصة قصيرة)
- اللون الأحمر
- المرحلة الإعدادية
- النظرة الطويلة
- حقيبة سوداء
- ساعات العمل
- صلاة الجمعة
- قبل النوم
- للمرة الأولى
- مرة أخرى
- منتصف الليل
- حكاوينا
- اللون الأحمر
- المرحلة الإعدادية
- النظرة الطويلة
- حقيبة سوداء
- ساعات العمل
- صلاة الجمعة
- قبل النوم
- للمرة الأولى
- مرة أخرى
- منتصف الليل
- حكاوينا
الطريق مظلم على مرمى البصر.. المقهى يبدو كبقعة ضوء وسط نسيج أسود متماسك.. نباح الكلاب هنا وهناك.. لمسة الشجن الحانية.. القاسية رغم ذلك!
والبرد.. البرد الشنيع الذي يكوي العظام.. نعم.. فالبرد يكوي كالنار ولا تسألني كيف! أضم ياقة معطفي وأرتجف.. ولعة هنا يا ساااااايد.
يهرول الفتى الريفي الشاحب ليقوم بعمله جواري.. آه من "طعطعة" الفحم المشتعل على بعد سنتيمترات من وجهك في الشتاء! متع بسيطة كهذه تستحق أن نعيش الحياة من أجلها بلا شك.. أجول بعيني على رواد المقهى في تلك الساعة المتأخرة.. معظمهم من شباب الطبقة المتوسطة المطحون بالتأكيد.. بعدما أثبتت الأيام أن الطبقة المتوسطة هي فريسة لجميع أنواع الاستغلال.. حلم الترقي الذي لا يجئ والركض الأبدي للهروب من طوفان اسمه "انحدار المستوى الاجتماعي".
ينهض مجموعة من الفتية المطحونين لينصرفوا بعدما أنهوا دورة صاخبة من ألعاب الورق.. دورة من التي يطلقون عليها اسم (بولة) وتمتلئ بالألغاز السيبرانية كأنها صفحة من مخطوطات دافنشي.. أتابعهم بعينين توشكان على النعاس.. لابد أنهم يعملون في شركة ما من تلك الشركات التي توجد بها قاعات فسيحة مقسمة إلى مكاتب صغيرة كالقبر يسمونها Partitions.. ولا أمل لهم في الحياة سوى الظفر بوقت للتدخين على سلم المدخل.
أسنانهم تصطك بردا .. "لستة هنا يا سااااايد".. يهرول الفتى الريفي الشاحب ليمارس عمله.. يخلوا المقهى تقريبا.
لا تسألني لماذا أنا هنا وفي هذه الساعة.. إذا لم تجلس في القاهرة على مقهى بعد منتصف الليل فلماذا تعيش فيها أصلا؟!.. هي الساعة المنتظرة بشغف لتزيل بها هموم اليوم كله.. تمنحك الهدوء والسلام النفسي اللازمين لتخوض معركة اليوم التالي.. هي أشبه بالعلاج النفسي الجماعي الذي يمارس في المصحات الراقية.. لابد أن رواد المقهى كلهم مثلي من المرضى يأتون للعلاج كل ليلة.. لذا لن أندهش كثيرا لو بدأ أحدهم في العويل أو تمزيق ثيابه.
الحياة في القاهرة قاسية حقا.
رواد المقى يتناقصون تدريجيا.
لا يتبقى إلا أنا وسيد.. أتثاءب بعنف وأنظر إلى ساعتي.. نصف ساعة أخرى من العلاج قبل النوم.. "هلم.. هلم.. حجر آخر يا ساااايد".. لا تبتئس يا صاحبي ولا تنتظر الكثير.. أنت مجرد ترس صغير بلا هدف سوى أن يدور و يدور بلا توقف وإلا وجدت نفسك تتسول على قارعة الطريق.. لا تبتئس.. أنت في عالم كامل يعيشه الناس مثلك كتروس دائرة بلا لحظة واحدة لالتقاط الأنفاس و بلا أمل في المستقبل سوى المزيد من ساعات العمل المرهقة حتى وإن كانت على مكتب فاخر.. الحلم بأن تصبح مجرد ترس أكبر فقط.. متى وجدت نفسك هكذا؟ أنت لا تعرف.. أنت لا تذكر سوى طفلا متلعثما ضاحكا يهرول جوار أبيه ذاهبا إلى صلاة الجمعة مستمتعا بلبس الجلباب ومشتاقا -بنهم- لعصا (اللوليتا) بعد الصلاة في طريق العودة للمنزل.. متى حدث كل هذا؟ أسئلة بالطبع لا طائل منها إلا المزيد من رثاء النفس.. وهو ما أكرهه بشدة.. والعلاج الناجع جاهز فورا.. "حجر آخر يا بني.. حجر آخر يعفينا من مرارة التفكير".. لا تبتئس واحرق مزيدا من التبغ ومعه مزيدا من أعصابك.
أشد الأنفاس المتلاحقة وأجول مرة أخرى بعينين ناعستين في المكان.. هنا وقع بصري عليه.. هذا التأثير الكاسح المميز للأشخاص التي تتميز بهذا التأثير الكاسح المميز! الشيء الذي لا يمكن وصفه.
رجل هو.. رجل فارع الطول.. نظراته شاخصه.. كل ما فيه أسود .. حتى وجهه.. لا أقصد اللون بل الانطباع.. هناك أشخاصا يتركون لديك انطباعا عاما باللون الأحمر أو اللون الأزرق.. ألم تر في حياتك شخصا يترك لديك انطباعا عاما بأنه أسود؟
يجلس في مقابلتي مباشرة.. أي في المكان الذي كان يحتله أولئك الشباب الصاخبون.. رجل مخيف فعلا.
رغم أني لست فضوليا بشكل خاص إلا أن شيئا ما جعلني أمعن النظر إليه.. يبدو هادئا أكثر من اللازم.. هناك درجة ما من الهدوء تجعل الإنسان مخيفا.. بل غير آدمي.
أزعم أني أعرف أغلب رواد المقهى.. وهو ليس منهم بالتأكيد.. غالبا هي المرة الأولى له هنا.. هل هو عابر سبيل ضل طريقة؟ لا يبدو لي كذلك.. إنه الثقة والهدوء مجسدين.
يطلب من سيد القهوجي شيئا لا أتبينه.. يضعه أمامه و ينصرف.. الرجل لا يعيره أي اهتمام.. برغمي تحرك الفضول الطفولي بداخلي.. رباه.. منذ متى تحرك شغفي نحو شيء ما؟ ربما منذ المرحلة الإعدادية!
للمرة الأولى ألاحظ أن معه حقيبة.. حقيبة سوداء ضخمة مخيفة مثله، يضعها جواره في إهمال ويواصل ما يفعله منذ أتى.. لا يفعل شيئا على الإطلاق.. فقط نظره شاخصة إلى المجهول.. أتراه يمر بصدمة ما؟ هل رأى زوجته في أحضان أعز أصدقائه مثلا؟ أراه بعين الخيال ينظر لها نفس النظرة الطويلة الخاوية ثم -بنفس الهدوء غير الآدمي- يفرغ فيها خزانة مسدسه كاملة و يغلق الباب خلفه و يمضي.. احتمال غريب و لكنه لا يبدو لي بعيدا إلى هذا الحد.
أرى أمامه أربع هواتف خلوية فاخرة الشكل.. هو من الناس المهمين كذلك.. وإن كنت لا أعرف كيف يمكن أن يعيش أي شخص حياته وهو يستخدم أربع هواتف في الوقت نفسه؟ لابد أنه لا يجد وقتا ليفعل أي شئ سوى الرد على المكالمات.. ربما لا يجد وقتا ليدخل الحمام أو ليحلق ذقنه كذلك.. بالتأكيد هو رجل مهم وفي منصب حساس للغاية.. أراه -بعين الخيال أيضا- يجلس خلف مكتب فسيح مظلم ليطالع أوراقا فائقة الأهمية ولا يدري أحد كنهها.. معلمة كلها باللون الأحمر..ابتلعت ريقي الذي أصبح جافا كالحطب وأشحت ببصري عنه قليلا.. لابد أن رجلا كهذا تسبب في خراب بيوت المئات.. وربما الألوف! ولن يسره بالتأكيد أن يرى شخصا فضوليا يمعن النظر إليه.
تسألني وما الذي قد يأتي بشخص كهذا إلى هذا المكان؟ الإجابة: لا أعرف! يمكنك أن تسأله أنت لو أردت! لربما كان يعد تقريرا أو مكلفا بمراقبة شخص ما أو -ببساطة- يجلس ليرتاح قليلا من أعباء وظيفته أو ليصطاد الحمقى الفضوليين! لن أعرف أبدا.
لكنه بكل تأكيد شخص مخيف.. كل ما فيه مخيف.. ولابد أن حياته مخيفة كذلك.. وبرغمي أرسلت عيناي تجاهه فوجدته ينظر لي! نظرة طويلة باردة جمدت الدم في عروقي.. نفس النظرة التي نظرها -بكل تأكيد- إلى زوجته الخائنة قبل أن يذيبها في الحمض أو يلقي بها من الطابق العاشر!
يبدو أنها ليلة طويلة..
«يتبع»