تيبس (قصة قصيرة)
قاومت دموعها في استماتة وهى تطالع وجه عشقت ملامحه وذقنه المهذبة.. هامت في عينيه لسنوات طويلة.. أكلت بها وشربت.. شعرت بأمان ودفء.. حكت.. ولاذت بالصمت.. ابتسمت وبكيت.. خفق قلبها وهو يرتشف من فنجان القهوة ويطالع النافذة.. صحيح أنه هو.. ولكن ليس كما عهدته.. كان وجهه بارد صلب يحاول إخفاء شيئًا ما.
قالت وهى تحاول إكساب صوتها نوعاً من الصرامة (ماكنتش بترد على موبايلك ليه؟! وليه على طول مقفول؟!).
لم ينظر لها أو يبدو انه قد سمع ما قالته فصاحت فى حنق (أنا بكلمك). ابتسم بهدوء واستدار ليطالع عينيها ويقول ببرود (عادي).
انعقد حاجبيها في غيظ وهي تكرر(عادى؟!).
ـ بسمة.. إنتي عايزة إيه؟!.
صاحت بغضب (عايزة أفهم.. أنا المفروض خطيبتك.. مش قطة ولا كلب مربيهم.. أنا من حقي أعرف كنت مختفى فين).
زفر زفرة حارة وهو يعتدل فى جلسته وهى تتابع (أنا معاك بقالى 5 سنين عمرى ما شفتك كده.. بارد.. مش فارق معاك حاجة.. مش إنت محمد اللى كبرت على إيده واتعلمت منه).
ابتسم باستفزاز فاستشاطت غيظًا وهى تقول (أنا مش بقول نكت ولازم تحترم كلامى).
أشعل سيجارته وهو يقول (عارفة؟! من ساعة ما أبويا مات وأنا نظرتي للدنيا تغيرت.. حسيت إن مفيش حاجة مستاهلة.. كله بيعدي.. العمر بيجري في حاجات عبيطة ماتستهلش تعبك وحرقة دمك.
وانسالت دمعة ساخنة من مقلتيها وهى تمسك بيده فأبعد يده وهو يكمل (كله بيعدى.. أول كسر.. أول سقوط فى امتحان.. أول حب.. أول حد يموت قدامك.. أول حضن.. أول سرير.. أول سيجارة.. أول كاس.. كله بيعدى مفيش بنى آدم بيقف عند حاجة.. مبينزلش من قطره إلا لما محطته تيجى).
ـ محمد.. أنا مش فاهمة منك حاجة.
ابتسم فى غموض وهو يقول (يعنى كله بيعدى يا بسمة.. محدش بيموت من الحب).
شعرت بألم يعتصر صدرها ولوعة تجتاح كيانها.. برودة بأطرافها.. عرق بارد يتناثر على وجنتها، وهو يتابعها بنظرات جامدة صارمة قاسية ويستطرد (أنا كنت فاكر إن الحب إنك تبقى حنين على حد.. تعلمه.. تكبره.. تحوط عليه.. تشوفه وهو بيكون شخصيته قدامك.. ياخد رأيك.. يسمع كلامك).
وصمت لحظات مرت كدهور وعصور وأزمان.. ماذا يريد أن يقول؟! لماذا تشعر أنها النهاية؟! لماذا لا تراه بوضوح وسط كل الدموع المنهمرة تلك؟!.
أضاف بقسوة (بس عرفت إن ده ما اسموش حب).
ـ امـاااااال؟!
- بسمة.. أنا حاولت نبقى لبعض بس معرفتش.. إحنا عشرة طبعا وإنتي.. بنتى بس مش أكتر من كده.
شهقت بسمة رغماً عنها.. وشعرت بالوهن وهى تشاهد شريط ذكريات عمرها خمسة سنوات.. ودموعها تسيل بغزارة وهو يكمل (صدقينى حاولت.. بس بعد موت أبويا تأكدت ومع أول اختبار ليا خُنتك.. وفكرت كتير قبل ما نقعد القعدة دي أنى أراجع نفسي وأحاول أكمل بس صعب).
ران صمت مهيب على المكان وهى تقاتل حتى تهضم ما قاله وتستوعبه.. لن تكون ضعيفة.. لن تتخلى عن كبريائها وكرامتها.. خلعت دبلتها وهى تتمنى قطع يديها.. ونهضت ملقيه إياها بوجهه وتحمل حقيبتها قائله بتنمر (أنا همشى.. همشى ومتفكرش تانى إن إحنا ممكن نكون لبعض يا محمد).
قالتها وهمت بالرحيل وهى تشعر بقلبها يكاد يتوقف، لم تبتعد عينيه عنها حتى غابت عنها واطمئن أنها قد غادرت المكان وترك العنان لدموعه لتنساب مع زفرة ملتهبة.. لقد فعل ما يريد.. كل شىء يمر.. عمرها يحمل ذكريات جديدة لم تعشها بعد.. ستجد من تحبه ومن يعتنى بها.. ستنجب طفلاً يشبهها ويحمل نفس نقاء روحها.. وطيبة قلبها وعيناها الواسعتان.. ستكرهه كرهاً بيناً.. كأول شخص أعطاك حقنة.. ستكرهك كره المرأة لتقدمها فى العمر.. وكره الرجل لضغوط حياته.. لكنه لن يفعل.. لن يكرهها قط.. سيظل يحبها مادام ينبض بالحياة.. سيظل ولكنها لن تعلم .. أخرج من حقيبته ملفاً ما.. وأخذ يبكى وهو يطالع صفحات الملف وورق الأشعة.. ويخرج هاتفة النقال الذى أخذ يدق وهم بالرد (أيوه يا د.خيرى أنا جاهز بكرة للجلسات.. آه اتفقنا).
وأغلق الخط.. والتقط ما يخصه ونهض غير مهتم بعبارات شكر وامتنان النادل من سخاء التيبس الذى تركه.