الحكومة الدينية والحكومة المدنية

من نعم الله على عباده أن حكمهم أولاً بكلمته وروحه، ذلك أن النجوم والكواكب، والمدارج الموسيقية، وعوامل الوراثة، وعلوم التكنولوجيا، وعلوم التنجيم والفلك، وما إلى ذلك، مما لا يمكن أن يصل إلى الأفراد إلا عبر الكلمة ومن الروح، حتى إذا وصل الفرد درجة بعد درجة أمكن استيعاب العلوم والفنون والآداب. من هنا جاءت حاكمية الله كما جاءت حاكمية البشر، وبمعنى آخر جاء فهم الحكومة الدينية (تجاوزاً) والحكومة المدنية (واقعاً). ويقصد بحكومة الناس الحكومة التى تصدر عن الشعب أو الشعوب، كما يقصد بحكومة الله الحكومة التى تقصى الناس تباعاً. وعندما استخلف السيد المسيح تلميذه متّى بدأت تنشأ فى الكنيسة حكومة الله أو الحكومة الدينية، وفى غير الجانب المسيحى نشأت حكومة الناس. وصار الفارق بين الحكومتين أن حكومة الله أو الحكومة الدينية تتسم بصلاحية خاصة يُنسب الحكم فيها إلى الله، فى حين أن حكومة الناس هى حكومة مدنية تصدر أحكامها عن الناس، أفراداً أو جماعات. مع الوقت تحيّفت السلطات الروحية على السلطات المدنية، تقديراً بأن كل الحكم هو لله، وأن لا حكم إلا لله. لكن ألفاظ الحكم تتناوب وتتغاير فلا يكون الحكم حكماً دينياً أو حكماً مدنياً، لكن يُقصد بالحكم معانى أخرى فى غالب الأحيان. حين مالت الحكومات إلى حكومات دينية، شرعت السلطات تأخذ بعصا الراعى وتضرب به على الرعية. لكن الأمر ظل يتغير ويتبدل حتى ظلت الحكومات المدنية فى جانب والحكومات الكنسية فى جانب آخر. وخالط بين الاثنين لفظ العالمانية. وهو من صميم الفكر المسيحى يعنى بذلك الرعايا من غير الكنسيين أى الذين ينعقد لواؤهم للسلطة المدنية التى يتبعونها وليس للسلطة الكنسية.[Quote_1] عندما تُرجمت كلمة العلمانيين ترجمت دون تشكيل، فأصبحت تقرأ علمانية، مرة بكسر العين ومرة بفتح العين، واختلط الأمر عند المسلمين فصارت عبارتهم تقرأ على العلم وعلى العالم. واقتضى الأمر وقتاً طويلاً حتى ينجلى الأمر ويتحدد، فيخلص أن العالمانية هى من مفردات المسيحية، قُرأت خطأ على العين المفتوحة والعين المكسورة. إن الفروق فى الحروف والكلمات قد تؤدى إلى خطأ فيما بين الحكومة الدينية والحكومة المدنية. وكل الحكومات فى الحقيقة حكومات مدنية.