التهمة أنثى

رحاب جمال

رحاب جمال

كاتب صحفي

أتعجب كثيرًا لما نعانيه كنساء، عند نشر تفاصيل أي حادث تحرش تعرضنا له في يومنا، وكذلك ما نلقاه من هجوم في الشوارع عند شكوانا من وقوعنا كفرائس لشهوانية ذكورية لم تجمح غرائزها المريضة!

والواقع أننا حين نحاول أن نتخذ موقفًا حقيقيًا وصارمًا، نجد هجومًا وكأننا الجناة الذين قاموا بالجريمة الكبرى، ولا أعلم  ما التهمة هل هي قولنا "لا".. أم أن "التهمة أنثى"؟!

وعلى جانب آخرن نجد هؤلاء الذين يقومون بدور الاستعطاف، أو بالأدق شعبة "المطبطبطية"، وهم كُثر.

والأدهى من هذا وذاك، حفنة العَفن الذين يحاولون هدم الثقة بالذات وإضعاف الروح الأنثوية كي تهتز المرأة لتتراجع عن أخذ حقها، والتي نصادفها كثيرًا في كل حالة تحرش، فهم أصحاب جمل "احمدي ربنا إن حد عبرك"، "ياشيخة أنتِ صدقتي أنك ست"، "احترمي نفسك والبسي عدل"، "عيب على أبوكي.. مهو بيتكم مفيهوش رجالة"، "مفيش واحدة لبسها محترم حد بيعاكسها".

أيها المهاجمون، الجلادون، القضاة، المعصومون.. عذرًا لم يقتصر التحرش على الزي المحتشم فحسب، بل أنه أصبح آفة مجتمعية بحاجة إلى البتر بكل صرامة, فطالما شاهدت حوادث أمامي  أصابني الخرس والصمت تجاهها لعدم إدراكي ما شاهدت.. أهذا حقيقي أم أنه من وحي الخيال؟.

وقفت حائرة بمحطة مترو الشهداء أمام امرأة خمسينية، تحاول أن تستقل عربة السيدات وسط زحام شديد، فرأيت شابا ثلاثيني يضيع يديه على مؤخرتها ويدفعها إلى الأمام، وقد اُغلق الباب دون أن تراه، ولكني ظللت أمحلق النظر في وجهه لأجد سببًا ما أثاره في امرأة بدينة خمسينية، لم ينظر إلى وجهها، لكني لم أجد سوى وجهًا خائفًا قلقًا يننظر يمينًا ويسارًا خوفًا من أن يكون قد رآه أحد.. إن هذا فقط ما يقلقه هو أن يراه أحد!

وفي حادثة أخرى تعرضت إحدى الفتايات للتفتيش الذاتي، وحين اعترضت الفتاة وثارت لكرامتها، التف حولها الكثير من "الرجال" محاولين إقناعها بالتنازل عن حقها وعدم تحرير محضر، وحين تمسكت الفتاة بحقها فنالت هجومًا عجيبًا، فقررنا أنا ومن معي من لفتايات مساندتها، فتصديت لأحدهم حتى يتوقف عن الهجوم، فسألته.. لماذا تهاجمها؟! ما الذنب الذي فعلته؟ فأجاب إجابة عجيبة: "مفيش بنت محترمة صوتها يعلى على راجل بالطريقة دي، دي واقفة بتناطحه كلمة بكلمة  وصوتها جايب آخر الشارع".

أما عن الواقعة الرابعة، فهي لي فقد تعرضت لحادث تحرش في إحدى المواصلات العامة، وكان في "شهر رمضان الفضيل"، والواقع أني استرديت  حقي دون اللجوء للقانون لتحرك الوسيلة، وما  هدأ من غضبي هو أن سائق الميكروباص وققف إلى أن انتهيت من صفع المتحرش.

وحيين قررت أن أدون تجربتي مع التحرش عبر الفيس بوك، لقيت هجومًا ذكوريًا كوني قمت بنشر كلام مثل هذا، وكوني قمت بصفع المتحرش.

والواقع أن هذا ما أجده في تفاعل النشطاء على المواقع الإخبارية حين يُعرض موضوعًا كهذا، سبابًا غير منطقيًا، هجومًا ناريًا،  والذي يصيبنا بالدهشة، أن بعض بل كثيرا من النساء تشاركن في ذلك الهجوم لأي سبب من الأسباب، إما لأن  المجني عليها رفضت الصلح، أو لأن لباسها "ملابسها" لم تكن على هوى المتابعين.

 أما شعبة "المطبطبطية"، فتتألم لمعاناة الشباب لعجزهم عن الزواج؛ نظرًا لارتفاع مصاريفه، وذلك يطرح تساؤلًا هامًا.. هل جميع الرجال المتزوجين لا يتحرشون؟ الإجابة بالقطع لا.. فكم عانينا نظرات خارقة لما تستره الملابس من رجال ومعهم زوجاتهن، إما على سبيل الكيد أو سبيل الشهوة.

وفي كلتا الحالتين، هناك رؤية بأننا نعاني مشاكل نفسية وسلوكية في شخصية المتحرش، ولكنا نعاني مشاكل فكرية في شخصية هؤلاء الذين يدافعون عن الجاني لمجرد أنهم يرون أن الفريسة هي من استفزته لأي سبب كان.

نحن بحاجة إلى عصف أخلاقي وفكري لآفة ذهنية راسخة، في عقل مجتمع مريض، وهي أن الأنثى فريسة بحاجة إلى الدفن وقت أن يكون لها حق، وحطب لابد أن يرجم في حال خطأها.. نحن لسنا بحاجة سوى تطبيق القانون الأخلاقي بالعدل.