سرطان الجيل

سامية مصطفى

سامية مصطفى

كاتب صحفي

عزيزي القاريء، أرجو أن يتسع صدرك لقراءة كلماتي التي لا أعبر فيها عن معاناتي وحدي، بل معانات جيل بأكمله، يحارب بعيدًا عن الأضواء سرطان من نوع جديد ينهش في خلايا الروح والنفس، ويمتد أثره إلى الجسد.

سرطان لم يجد مصابيه الدعم الكافي، وباعتباري واحدة من هؤلاء أعاني من أمراض نفسية تكاد تكون بسيطة مقارنة بما يعاني منه هؤلاء المجهولون الذين لا يجدوا وسيلة للتعبير عن أنفسهم، سأسرد قصتي لعلها تكشف صورة غابت عن أذهان البعض.

أنا فتاة في أوائل العشرينات، متى قابلتني ستجدني إنسانة مُحبة للضحك وشديدة التفاؤل بالغد ويُعرف عنها مدى إلتزامها الديني بالطاعات، ومع ذلك لم يمنعني ذلك في التفكير بالانتحار بعدما أصبت بنوبة اكتئاب حادة أتت بعد أو انتكاسة حدثت لي لتنبئني بعودة "نوبة الهلع" التي كنت أعالج منها من قبل، لتعكر صفو حياتي في أشد أوقات الفرح.

ويشتد تفكيري سوء وتعود هواجس الانتحار من جديد حين لا أجد كلمة تواسيني من أحدهم، وخاصة إذا كان أحدهم هو "الطبيب" المعالج الذي تأفف من هواجسي وأخذ يعنفني حين أردت تغيير الاخصائي الخاص بالعلاج السلوكي المعرفي الذي وصفه لي، قائلًا أن "المشكلة عندك مش عند حد"، دون أن يسمح لي بالحكي عن سبب طلبي لتغييره لربما أكون على حق؟!  وإحداهن التي سودتها في وجهي حين قلت لها ماذا أفعل؟ في لحظة يأس مني فقالت: "لست معي عصا سحرية وأمرك صعب".  

فعندما أجد أصحاب المهنة ليست لديهم أي فكرة عن "تأثير الكلمة على المريض النفسي" وأن الكلمة علاج سحري سريع المفعول حتى وإن كان مؤقتًا؛ فكيف سأواجه غير المتخصصين والعوام من المحيطين بي الذين يرون أنني شخص ممسوس مسحور يحتاج شيخًا كبيرًا لإخراج الجن السفلي وفك السحر، و"طاسة الخضة" لعلاج نوبة الهلع! ويجزمون لي متى رأوني أن الأدوية النفسية تسبب العقم والبرود الجنسي والإدمان والفشل الكلوي وغيرها من الأمراض التي يقشعر لها البدن وتصيب بالاحباط وتجعلني ومن مثلي يتأرجح في الهواء بين كلام هذا وذاك وبين محاولة الاستجابة للعلاج أو تركه إلى الأبد. وخاصة بعدما يزداد الطين بِلَّة ويضيق بنا الحال ولا نستطيع الصمود أمام أسعار الكشف والأدوية والاستشارات.    

على أي حال "هي أشياء لا تشترى"، هكذا نطق بها قلم أمل دنقل في  معزوفته الشعرية "لا تصالح"، لتصبح عنوانًا آخر للقصيدة بل قصيدة منفردة التكوين، أختتم بها قصتي وقصة آلاف غيري يبحثون عن كلمة طيبة ويد حنونة تربت على أكتافهم ولكن لا يستطيعون شرائهما بالمال، فالمال إن وجد يكفي حاجتهم من الدواء فقط.

عزيزي القاريء أخيرًا وليس آخرًا، أطلب منك بعين العشم أن ترسل رسالة إلى أحدهم الذي تقتل فيه الهواجس كل ثانية، وأن تترك نفسك إلى حيث يصطحبك الله، فأنت لست ملك نفسك بل أنت رسائل على الأرض يبعثها الله لمن يريد، فلا تبخل على أحد بها.