الخيانة!

أتردد كثيراً فى إطلاق صفة «الخيانة»، وتحديداً «خيانة الوطن» على أى شخص أو أى فعل، لأنها تهمة مشينة، لا تحرم فقط صاحبها من شرف الانتماء إلى وطنه، وإنما تلصق به عار الإضرار بوطنه والإساءة إليه والتشهير به. غير أننى لا أجد غير هذه الصفة لإطلاقها على موقف بعض أولئك المنتمين إلى الإخوان المسلمين، وحلفائهم، الذين عبَّروا -بشكل فج وفاضح- عن شماتتهم فى الجيش المصرى وإهانتهم المقزّزة له، خصوصاً من خلال «قناتهم»، قناة الجزيرة «مباشر مصر» (!) التى يذكر لها أنها قدّمت لنا طوال الأشهر الماضية نماذج لشخصيات عامة و«رموز» كانت مختبئة أو «نائمة»، ولكنها وجدت فى اعتصامات «رابعة العدوية» و«نهضة مصر» فرصة لتكشف وجوهها ورؤاها الحقيقية! غير أن ذلك حديث يطول شرحه، وربما يستحق أن يعالج باستفاضة على حدة. ولنعد إلى موضوعنا الأصلى! الواقعة موضع التعليق هنا حدثت مساء يوم الجمعة الماضى 9 أغسطس عندما سمع صوت انفجار شديد فى منطقة «العجراء» جنوب رفح.. أسفر عن وقوع عدد من القتلى والمصابين. ووفقاً لما جاء فى المصادر الصحفية المختلفة، فإن الواقعة تمت فوق أرض يملكها «أمير» إحدى الجماعات «الجهادية»، وإن لم يكن موجوداً وقت الحادث، وأن الأربعة «الجهاديين» الذين قتلوا فى الحادث يشملون: حسين إبراهيم أبوسالم (أو حسين التيهى) ينتمى إلى تنظيم «أنصار بيت المقدس» المتحالف مع جماعة «مجلس شورى المجاهدين»، وأن اثنين آخرين هما من بين الذين سبق أن اختطفوا الجنود المصريين التسعة منذ شهرين، وتم التفاوض معهم لإطلاق سراحهم! السؤال هو: من الذى قام بتلك العملية؟ المتحدث العسكرى المصرى أعلن أن العملية نُفذت بواسطة طائرتى «آباتشى» مصريتين، وهو ما أكده شهود العيان وأهالى المنطقة. ووفقاً للرواية المصرية فإن الطائرتين قامتا بقصف قاعدة صواريخ بدائية نصبها الإرهابيون داخل أحد الأبنية جنوب رفح، ووفقاً لرؤية المصدر أيضاً فإنه قبل الانفجار بنصف الساعة تحركت طائرة «آباتشى» مصرية لتصوير مكان القاعدة الصاروخية وتحديد مكانها بدقة. وبعدها حلقت طائرتان فوق المنطقة تولت الأولى قصف القاعدة مباشرة، وراقبت الأخرى محيط البناء الموجود به منصة الصواريخ، حيث استهدفت دراجة بخارية على متنها اثنان من العناصر التى نصبت القاعدة. وبذلك كان حصيلة تلك العملية مصرع ثلاثة «جهاديين» كانوا فى المبنى، فضلاً عن راكبى الدراجة البخارية. العملية بهذا الشكل هى جزء من الحملة الواسعة والمعلنة التى يقوم بها الجيش المصرى فى سيناء منذ شهور لتطهيرها من العناصر والجماعات التى تتخذ لنفسها مسميات عديدة «جهادية» و«إسلامية»! غير أن وقوع العملية قُرب الحدود الإسرائيلية عند رفح، أثار التساؤل حول ما إذا كانت الصواريخ التى استهدفت «الجهاديين» أتت من داخل إسرائيل. غير أن القناة الثانية الإسرائيلية أكدت أن الجيش المصرى هو من قام بتلك العملية، كما أن صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية فى تحليلها للحادث قالت إن أى هجوم إسرائيلى من هذا النوع داخل الأراضى المصرية سوف يكون نادراً للغاية وغير مسبوق منذ توقيع معاهدة السلام منذ أربعة وثلاثين عاماً، وذكّرت الصحيفة بحقيقة أن الجيش المصرى كثَّف فى الآونة الأخيرة حملته ضد الجماعات المسلحة فى المنطقة، وأن تل أبيب تشعر بالقلق من الإضرار بعلاقتها مع مصر، وبالتالى فإن من غير المرجح أن تنفذ أى هجوم فى الأراضى المصرية دون تنسيق مسبق مع مصر. الشىء المؤسف هنا، والمثير للاشمئزاز والتقزُّز، هو الطريقة التى استغل بها الإخوان وحلفاؤهم هذا الخبر والتلاعب به وتبنّى صياغة لم تجرؤ حتى إسرائيل على طرحها، وهى أن «طائرة إسرائيلية استهدفت خمسة جهاديين داخل الحدود المصرية» وأذاعوها من منصات «رابعة والنهضة»، ومن خلال قناة «الجزيرة» المشبوهة! مؤكدين الحقيقة المرتبطة بالإخوان ومن يدور فى ركابهم، وهى: افتقاد الحس الوطنى والشعور بالانتماء إلى الوطن، والذى بدا بأوضح صورة فى تمنى بعضهم علناً أن يسحق الجيش الإسرائيلى «كتائب السيسى»! ولم أصدق نفسى وأنا أستمع إلى كلمات الشامتين على منصتى «رابعة والنهضة»، التى بلغت الحضيض عندما ردّدت مكبرات الصوت فى «النهضة» بفرح خبر أن طائرات إسرائيلية هاجمت سيناء! معلنين أن ذلك مؤشر على أن نهاية الجيش المصرى أوشكت، «ليعود الحاكم الشرعى د. محمد مرسى»! وفى حين استقبل «ألتراس نهضاوى» التابع للإخوان الخبر بالألعاب النارية والشماريخ بميدان رابعة.. صدرت التعليمات -فيما يبدو- إلى اللجان الإلكترونية الإخوانية والسلفية بضرورة المطالبة فى تعليقاتها بالمواقع الإلكترونية بانسحاب الجيش من الشوارع وعودته إلى الحدود، بل وتحميل الفريق عبدالفتاح السيسى «مسئولية الأحداث»! والمطالبة بإقالته. إن أهم دلالة لتلك الوقائع هى ذلك الارتباط الكامل بين ما يحدث فى سيناء، وما يحدث فى مناطق «رابعة والنهضة» وغيرهما، وهو ما يذكرنا بما نُسب إلى السيد محمد البلتاجى (القيادى الإخوانى) من قوله إن الإرهاب فى سيناء سوف يتوقف عندما يعود الدكتور محمد مرسى إلى موقعه فى رئاسة الجمهورية، فكلاهما «جبهة» للمواجهة الإخوانية مع الدولة المصرية، ومع الشعب المصرى. وإذا كان «الانتصار» الإخوانى فى جبهة سيناء يتمثل فى إهانة أو هزيمة الجيش المصرى. فإن «الانتصار الإخوانى» فى جبهة «رابعة والنهضة» سوف يكون هو «الصمود» فى الميادين وهزيمة الشرطة المصرية، وغالبية الشعب المصرى التى تنتظر بشغف انتهاء مهزلة الاعتصام. غير أن المفارقة اللافتة هنا، هى أنه مثلما لا يشعر الإخوان بأى حمية أو حماس لجيشهم فى سيناء، بل بعداء له، فإنهم بالمثل لن يشعروا بأى دافع للحفاظ على أرواح أبناء الشعب فى «رابعة والنهضة» وغيرهما من ميادين الاحتشاد فى مصر، وهنا تكمن المفارقة المهمة، التى لا أتصور أنها تغيب عمن بيدهم الأمر، وهو أنه إذا كان من المؤكد أن الحكومة ووزارة الداخلية فى سعيها لفض «الاعتصامات» تبحث عن أفضل الطرق للحفاظ على أرواح المصريين المشاركين فى تلك الاعتصامات.. لأن ذلك هو واجبها الوطنى والأخلاقى، وبالتالى لن تستعمل أى عنف غير مبرر، فضلاً طبعاً عن الإحجام عن استعمال أى نوع من الأسلحة، فإن منهج الإخوان، وعقيدتهم، سوف تدفعهم للمبادرة بالعنف، وبإطلاق الرصاص وبافتعال أو خلق المواجهة خلقاً.. فالمهم هو إحداث الكارثة، والمتاجرة بها عبر آلة الدعاية السوداء. والولولة عبر وسائل الإعلام عن القتلى والجرحى من «المدافعين عن الشرعية». وفى عبارة موجزة، ومتكرّرة، فإن «الإخوان» لن يقبلوا بسهولة هزيمتهم أبداً، وهم مستعدون لفعل أى شىء للإبقاء على الجماعة، حتى ولو كان ذلك بتلطيخ سمعة الجيش، أو التضحية بأرواح الشعب.. فإذا لم تكن هى سمات «الخيانة».. فماذا تكون؟