لعل أحد أهم ما سبب حدوث انتكاسة فى مسار ثورة 25 يناير 2011، وما أدى إلى إشعار الكثيرين بعد عامين منها أنها لم تكن ثورة، هو إدراك الكثيرين بأن الإخوان هم الذين اقتطفوا ثمار ما زرعه الشباب، وذلك بعد الأسبوع الأول من اندلاعها. هنا نشير بشكل محدد إلى أن ما حدث هو أن أجريت الانتخابات قبل وضع الدستور، ومع التغرير بعقلية الكثير من المصريين البسطاء باسم الدين، فازت جماعة الإخوان المسلمين المضطهدة إبان «مبارك»، ووقع ما وقع من انتكاسة لا سابق لها فى حكم الدولة المصرية، أسفرت عن عزل محمد مرسى شعبياً، ثم الاحتجاج الذى قاده الإخوان، وانتهت أهم فصوله أمس الأول، بتصفية اعتصامى رابعة والنهضة. واليوم.. كيف نتعلم من أخطاء الماضى؟
أولاً: على الصعيد الأمنى، يجب أن نتجنب قدر المستطاع إسالة المزيد من دماء المصريين، أعلم أن تلك الإسالة (لا قدر الله) إن حدثت، سوف تكون بسبب قيام بعض أنصار التيار الإسلامى بامتلاك واستخدام الأسلحة، كما حدث عند فض مقرى الاعتصام فى رابعة والنهضة. لذلك يجب تجنب استخدام القوة، وذلك باتباع طرق سلمية عند أية مسيرات أو اعتصامات أخرى، وعلى رأسها الحصار، وقطع الخدمات عن المعتصمين، مع توفير ممرات آمنة لهم بالخروج، دون تعقب لأى منهم، باستثناء المطلوبين فى جرائم محددة. ولعل الناظر إلى اعتصام ساحة رياض الصلح للقوى المعارضة فى لبنان الذى استمر 538 يوماً أبلغ دليل على صبر الدول على الاعتصامات.
ثانياً: سرعة التحقيق فى الدماء التى سالت فى أحداث كل من فض الاعتصامين برابعة العدوية والنهضة، إضافة إلى قتلى الحرس الجمهورى والمنصة. صحيح أن بعض هؤلاء تعمد الضرر بنفسه، نتيجة تعمد الذهاب للاعتصام أمام المناطق العسكرية، وأن بعضهم الثانى أراد توسيع رقعة الاعتصام وقطع طرق المواصلات، وبعضهم الثالث أنذر مرات عديدة لإخلاء الميادين وترك الاعتصام. إلا أنه لا أحد يمكن أن يبرر أن الرد السليم على ذلك هو القتل.
ثالثاً: حتمية الإسراع وحرق مراحل خريطة المستقبل. فالمتابع لتلك الخريطة من تعديل الدستور أمام لجنة ذات طابع قضائى، ثم لجنة ثانية مؤلفة من 50 شخصاً، ثم عقد انتخابات برلمانية، تليها انتخابات رئاسية، كل ذلك يشى بأننا لن يكون لدينا رئيس للجمهورية قبل مارس أو أبريل 2014، وهذه المدة كبيرة للغاية، وسيتخذها الإخوان تكئة لإحداث قلاقل فى الشارع المصرى، كما هو حادث الآن. وعلى العكس فإن تسريع وتيرة تلك الخطة ستؤدى إلى أن يهرول الإخوان -كما هى عادتهم- خلف الانتخابات ترشيحاً وانتخاباً، ويقومون بإخلاء الميادين وتطليق المسيرات للمشاركة فى تلك الانتخابات بوسائل شتى. كما أن هذا التسريع سيفضى إلى عدم نسيان قطاع كبير من الناخبين المآسى التى أوقعوها فى إدارتهم للدولة المصرية، وهو ما سيعبر عنه فى صناديق الانتخابات.
رابعاً: أحسنت الحركة التصحيحية لمسار الثورة صنعاً بتأسيس الدستور قبل البدء فى الانتخابات، لكننا من المؤكد يتوجب علينا إخراج دستور سليم، ويتسم بالنقاء من كل ما علق به من شوائب. هذا الأمر ليس معناه أن نلقى بدستور 2012 فى سلة المهملات، إذ أنه بذل به جهد كبير، وإن كان قد انحرف به المسار إلى ركب الإخوان بعض الشىء. هنا يمكن الإشارة على سبيل المثال إلى ما أدى إلى المأساة التى نحن بها، وهى المادة 150 التى تنص على استفتاء رئيس الجمهورية الشعب فى المسائل المهمة. فما بالنا لو وضعت أو أمثلة فى الدستور لتلك الأهمية، وعلى رأسها الاستفتاء على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة أو أية مسألة تخص عمل السلطة التشريعية كسن قانون ما، بمجرد موافقة 10 أو 15 مليون مصرى مسجل فى قاعدة بيانات الناخبين، أليست تلك الإضافة كانت ستقى مصر الوقوع فى مشكلات كثيرة، كنا فى غنى عنها؟
خامساً: السعى لتفكيك جماعة الإخوان المسلمين كجماعة تمارس العمل السياسى، والإبقاء على أى دور ترغب فيه لممارسة العمل الدعوى. هنا من المهم العمل على عدم تداخل العمل الدينى بالعمل السياسى، لما فى هذا التداخل من منع المنافسة الحقيقية بين المواطنين، خاصة عند الانتخابات، ناهيك عن أن هذا التدخل يسهم فى امتهان الدين نفسه. إذن كيف ينجذب المواطن لبرنامج حزب دينى، ثم يفوز الحزب، ثم يفشل فى إحداث التنمية؟
سادساً: أنه من الضرورى وقد أعطت السلطة درساً لبعض القوى الخارجية كتركيا وقطر، ولربما العم سام نفسه، ربما يكون من المهم الالتفات إلى مسألة التنمية فى أسرع وقت ممكن، وذلك من خلال الاعتماد على الذات، وتيسير استقبال الاستثمارات الأجنبية، خاصة تلك التى تأتى من بلدان الخليج العربى.