د. ياسر عبدالعزيز د. ياسر عبدالعزيز الفريضة الغائبة فى الإعلام المصرى
الأحد 12-11-2017 | PM 09:59

كان «منتدى شباب العالم»، الذى عُقد على مدى الأسبوع الماضى، فى شرم الشيخ، عملاً ناجحاً ومؤثراً على أكثر من صعيد، وقد تميز المنتدى بلقاء صحفى غير مسبوق، جمع الرئيس السيسى بمراسلى وسائل الإعلام العالمية والإقليمية والمحلية.

فى هذا اللقاء الصحفى كان الرئيس منفتحاً وراغباً فى الإجابة عن كافة الأسئلة التى تم توجيهها، حتى إنه كشف أسراراً كثيرة بعضها يتعلق بخطط الدولة وسياساتها المستقبلية، وبعضها الآخر يتعلق بحوادث الإرهاب أو المواقف والتقييمات المصرية لأحداث دولية وإقليمية ساخنة ومعقدة.

ومن بين ما كشف عنه الرئيس خلال هذه الفسحة من المصارحة «أننا بصدد إطلاق قناة فضائية إخبارية مصرية بمعايير عالمية»، وهو إعلان مبهج على أى حال، وإن كان مبتسراً وغير مكتمل التفاصيل.

كنا نعرف أن ثمة قناة يجرى التجهيز لإطلاقها لتكون ذراعاً إخبارية مصرية تخاطب الإقليم والعالم، بعدما حدث «انكشاف إعلامى مصرى» خلال السنوات الفائتة، لم يستره هذا العدد الكبير من وسائل الإعلام المحلية، التى اكتفت بمخاطبة الداخل، ولم تمتلك أى أدوات مناسبة لكى يسمعها جيراننا.

عرف العالم وسائل الإعلام العابرة للحدود مبكراً جداً، وكانت هيئة الإذاعة البريطانية (بى بى سى) رائدة فى هذا المجال، حين أطلقت خدماتها العالمية لتخاطب الأقاليم المختلفة بلغات متعددة، ومحتوى يناسب طبيعة البيئات المحلية.

وكانت حرب تحرير الكويت 1990 إيذاناً بتكريس الدور الدولى لفضائية «سى إن إن» الأمريكية التى أبهرت العرب تحديداً بنقلها الحى المباشر لأحداث القتال، وأجبرتهم على التفكير خارج الصندوق، والبدء فى تطوير وسائل إعلام ذات طبيعة احترافية، عوضاً عن المنظومات الإعلامية العتيقة التى غرقت فى أدوار الدعاية والتسلية السمجة.

لقد زاد الطلب على الخدمات الإخبارية ذات الطبيعة الإقليمية والدولية بمرور الوقت، وباتت دول العالم المختلفة تسعى إلى امتلاك أدوات إخبارية مختلفة، لكى تتمركز جيداً فى الواقع الإخبارى العالمى.

فى البداية كانت المنافسة عبر وكالات الأنباء، وكان مصطلح «الكبار الأربعة»، أو الـBig Four، يشير إلى أربع وكالات أنباء رئيسية تسيدت المشهد الإخبارى لعقود، هى «رويترز»، وأسوشيتد برس (أ ب)، ووكالة الأنباء الفرنسية (أ ف ب)، ثم «تاس» السوفيتية، التى اندثرت مع تحلل الاتحاد، وتحولت إلى «إيتار تاس»، قبل أن ترث «نوفستى» دورها.

كانت تلك الوكالات مسئولة عن أكثر من 90% من حجم التدفق الإخبارى العالمى، بسبب تمركزها المهنى واتساع تغطيتها من جانب، وتمركزها السياسى، باعتبارها تمثل دولاً رئيسية وقوى عظمى (الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والاتحاد السوفيتى السابق) من جانب آخر.

لكن مع ظهور التليفزيون، والبث الفضائى، وتزايد المساحة التى يحتلها فى البيئة الإخبارية الدولية، بات لزاماً على تلك الدول أن تنقل تركيزها إلى الوسيط الجديد الأكثر نفاذاً.

ولهذا، فنحن نعرف اليوم أن الولايات المتحدة تستثمر فى فضائيات مؤثرة ناطقة بالإنجليزية، لكنها أيضاً تخاطب العالم بلغات متعددة، مثل ما حدث حين أطلقت قناة «الحرة» لتتحدث بالعربية، كما فعلت بريطانيا من قبل مع «بى بى سى»، وفرنسا مع «فرنسا 24»، وروسيا الاتحادية، وريثة الاتحاد السوفيتى، مع «روسيا اليوم».

ليس هذا فقط، لكن القوى الإقليمية أيضاً سعت إلى اتخاذ نقاط ارتكاز إعلامية فى الفضاء الاتصالى، عبر تطوير قنوات فضائية تتحدث باسمها وتحمل رسائلها وتصوغ أخبار العالم وفق رؤيتها.

ولذلك، لاحظنا أن الاختراق الذى حققته «سى إن إن» فى مطلع التسعينات الفائتة ترك أثراً واضحاً فى الدول العربية المهمة، ودفعها إلى تطوير وسائل جديدة، فراحت السعودية تطلق «إيه آر تى»، و«أوروبت»، ثم «إم بى سى»، التى لم تلبث أن أثمرت «العربية»، لتكون تعبيراً إخبارياً مباشراً ومتخصصاً، يبث على مدار الساعة ومن أكثر من منصة.

ومع تصاعد النفوذ الفضائى السعودى، راحت قطر تفكر فى الحصول على مساحة من الرقعة الفضائية، فأطلقت «الجزيرة» فى منتصف العقد نفسه، واستثمرت فيها كثيراً لكى تحمل رؤيتها وتلون العالم بالشكل الذى يخدم مشروعها.

لم تكتفِ «الجزيرة» بأن تطور ذراعها الإخبارية الأصلية «الجزيرة العربية» فقط، لكنها أطلقت نسخة شديدة الإتقان لمخاطبة العالم الغربى باللغة الإنجليزية «الجزيرة الدولية»، كما سعت إلى أن تطلق «جزيرة» فى كل بلد من البلدان التى تستهدفها بسياساتها، فكانت «الجزيرة سوريا»، و«الجزيرة مصر»، فضلاً عن مجموعة أخرى من القنوات المتخصصة، التى تضافرت جهودها لمنح الهيمنة على الإطار الاتصالى الفضائى العربى لقطر.

لم تكن الإمارات، صاحبة الطموح والرغبة فى لعب أدوار إقليمية مؤثرة، لتسكت إزاء هذه النجاحات، وهو الأمر الذى استوجب أن تمتلك ذراعاً إخبارية قوية تنقل رؤيتها، فكانت «سكاى نيوز عربية».

حينما كانت مصر تسعى للخروج من ورطة «الإخوان» فى أعقاب انتفاضة يونيو 2013، تعرضت للكثير من الهجوم والانتقاد على المستوى الدولى، وفى تلك الأثناء بالذات كانت «العربية» و«سكاى نيوز عربية» تلعبان دوراً مهماً فى إبراز رؤية مصر، ومساندتها عبر عرض وجهات نظرها على الساحة الإقليمية والدولية.

وظهر أن مصر التى كانت تخوض معركة كبيرة آنذاك عزلاء من أى تعبير إعلامى وطنى قادر على مخاطبة العالم، وهو أمر كلفها كثيراً وأضر بصورتها.

لقد أدركت الدولة ضرورة أن تطور الذراع الإخبارية التى تخاطب الإقليم والعالم أخيراً، وعرفت أن تكاليف الامتناع عن هذه الخطوة فادحة.

وبعيداً عن التفاصيل التى يمكن أن تكون موضع جدل، والتى تتعلق بطبيعة ملكية هذه القناة المنتظرة، وحرمان «ماسبيرو» من إطلاقها، رغم كونه صاحب تجربة يمكن البناء عليها تدعى «النيل للأخبار»، فإن ثمة عوامل أساسية يجب الانتباه إليها لتنجح تلك التجربة.

أولاً: يجب أن تكون هناك إرادة سياسية واضحة لإطلاق تلك القناة، وإدامتها، وتحمُّل بعض المخاطر بسببها.

ثانياً: ينبغى أن تعمل تلك القناة وفق معايير احترافية، وتأخذ بالأساليب الحديثة، ولا تتحول إلى أداة من أدوات الدعاية للنظام أو الحكومة أو الدولة، بقدر ما يجب أن تحصل على المصداقية، لتكون مصدر اعتماد لجمهور إقليمى ودولى معتبر.

ثالثاً: يجب توفير موارد كافية لإطلاق القناة، وإدامتها، بما يستتبعه هذا من وضع خطة تمويل متوسطة الأجل، خصوصاً أن العمل الإخبارى مكلف للغاية، ويصعب جداً أن يدر عوائد من الإعلانات كما يحدث مع القنوات ذات الطبيعة الترفيهية.

رابعاً: على القائمين على تلك القناة أن يعلموا أنها ستجذب جمهوراً خارجياً بقدر ما تستطيع أن تصنع محتوى يصب فى اهتمامات هذا الجمهور.

ويعنى هذا أن دوائر التركيز التحريرى للقناة لا تتعلق بالشأن المصرى وحده بطبيعة الحال، ولا تقتصر على المصادر من المصريين فقط، لكنها تمتد لتشمل كل ما يقع ضمن أولويات جمهور يمتد باتساع الإقليم إذا كانت ناطقة بالعربية، وباتساع العالم فى نسختها الإنجليزية.

إن القناة الجديدة التى أعلن الرئيس عن إطلاقها تمثل فريضة غائبة فى الإعلام المصرى، وقد تأخر إطلاقها كثيراً، لكن أن تصل متأخراً خير من ألا تصل أبداً.

تعليقات الفيس بوك

عاجل