أحدهم لم يعبر للجهة الأخرى

عمرو محمد

عمرو محمد

كاتب صحفي

يكره النخل لأنه لا يتحرك، وهو كان يريد أن يسابق الزمن، صنع له غريب مر بقريته ذات مرة في طفولته طائرة ورقية، ومن حينها كان يحن إلى السماء، وإلى الغريب، ولكن أمه كانت تكره ذلك الغريب، لأنه تخلى عنهم ورحل ذات يوم، ومن حينها كان يصنع الطائرات الورقية لعله يسافر بها إلى البعيد ويجد الغريب، رغم أن سنه لم يكن يتجاوز الخامسة بعد ولكنه كان يدرك المعنى الحقيقي للحزن!

**

فشل في المدرسة، ونظرة أمه كانت ترضعه الخوف بدلاً من الإيمان، أخذته من يده في إحدى الصباحات الشتوية، وتركته عند نجار يعلمه صناعة الأشياء، مرت الأيام سنوات، تدهور الحال إلى أسوأ وكأن السنين التي تضاجع الحزن لا تحمل إلا الهم ولا تلد إلا اليأس، صنع قليلاً من الأشياء، كانت لا تكفي لقمة عيش مغموسة بالدموع، خرجت أمه إلى الشارع للعمل، جمعوا القليل، القليل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، دعوا سوياً على الغريب وعلى الأيام!

**

في تلك الأيام، رأت أمه الكثير من أبناء القرية البائسة يعبرون البحر، لا يعودوا، ولكن يرسلوا أموال تغني أهاليهم عن السؤال، تقول لابنها، سترحل مثلهم، يبكي ولا يرد بكلمة، وكانت عيناها ترضعه الخوف بدلاً من الإيمان!

**

علمه صاحب الورشة صنع الأشكال، والصلاة، أطعمه صاحب الورشة القليل، سبه صاحب الورشة حين كان يفشل في إتمام الشكل لوحده، تحرش به صاحب الورشة لأنه كان ضعيفا، ترك صاحب الورشة وهرب، هرب ليصنع طائرة تخاطب السماء، ولكن كانت السماء بعيدة والطائرة لم تستطع أن تتغلب على جاذبية الحزن!

**

الأيام فُتلت ذات يوم من أغنية حزينة، وذات يوم سنغني النسخة السعيدة منها، ولكن الله يختبر قدرتنا على الصبر، كانت تقول له هذا حين كان يعود ليبكي في حضنها، وكانت عيناها ترضعه الخوف بدلاً من الإيمان!

**

طفل لم يتجاوز العاشرة لم يحب سوى حضن أمه وطائرته الورقية، هذا الذي يتذكره، ثم يمر عام ثم عام ثم عام، لا يجد أمه، لم يقابل عينيها، حتى طائرته تكسرت ذات صباح لأنه لم يخبئها من المطر وأراد أن يصل بها إلى أبعد من السماء لأنه تعلم أن أبواب السماء تُفتح حين تمطر!

**

عادت لتخبره بإنه سيسافر مثل الذين سافروا وأرسلوا أموالا تغني سؤال أبويهم، لم يسألها، لم يواجهها، لم ينظر إلى عينيها، اقتربت منه لتأخذه في حضنها ولكنه لم يأت، جلست مبتعدة عنه، لم يقترب، أخبرته عن الرحلة التي سيعبر بها إلى العالم الآخر، عالم الأحياء، فلم ينتبه، ولكنه سألها عنها، سالت دمعة وقالت بإن الموت التهم روحها، مسحت تلك الدمعة وأعطته كل الأموال التي حصلت عليها من بيع لياليها إلى الغرباء، ألقاها في وجهها، بكت بحرقة، وطل من عينيها الخوف، فلعنها وهرب إلى سريره لينظر لصورة الغريب الذي علمه الحياة وغادر، بكي، وكان الليل طويلاً!

**

لم تمر بضعة أيام إلا وأخذته أمه لتسلمه للذي يمتلك بوابة العبور إلى العالم الآخر، لم يودعها، لم يمازحها كعادته وهو مقبل على يوم صعب، نادت عليه، لم يرد، وحين التفت بعد أن سمع اسمه للمرة العاشرة، كانت عيناها ترضعه الخوف بدلاً من الإيمان، ود لو قتلها حتى لا تبقى في الذاكرة!

**

اختبأ مع الغرباء في سيارات نصف نقل، غطوا أجسادهم بقماش يسترهم، شم رائحة البحر والهم، حن إلى أمه،وصلوا إلى ميناء مظلم في الليل، وكأن الوطن بخل حتى عليهم بمشهد صباحي أخير،صعدوا إلى مركبة متهالكة، أبحرت كثيراً ولم تصل، ترك لهم جسده يضعوه حيثما شاءوا، وكانت روحه تحاول أن تتحرك، تعلقت عيناه بعين أناس لم يقابلهم من قبل، ولكن كلنا غرباء ولولا الصدفة ما صرنا أصدقاء، دخلوا ثلاجات لا تعمل ليختبئوا بها، وشعروا بإن المركبة بدأت الرحلة الطويلة!

**

سجن لا يتعدى الأمتار المحدودة، ولكنه بوابة العبور لعالم رحب، كره العيون التي أحبها، كره أمه، الغريب، كره نفسه، كره حتى طائرته الورقية، تمنى لو أن يتلاشى كل شيء، أن يفقد إحساسه كله،أن يفقد روحه، داس على قدميه الجميع، تعالت الأصوات في السجن الصغير، لم يرفع صوته مثلهم، و لكنه تلقى الضربات من خارج القفص كالجميع و كذلك الماء المثلج!

**

تمر الأيام مملة،لا يعطوهم إلا كسرات خبز و شربات ماء، يكفر بالوضع، يصرخ، يشعر بوجع مفاجئ يدب في القلب، كتلك الوخزة التي يشعر بها أحدهم حين يفقد حبل وريده في الحياة،يبكي طويلاً، ذلك الذي لم يملك أربعة عشر عاماً ليواجه الحياة وحده، يلعنه الجميع، حتى الموج لم يهدأ واشتعل غضباً لغضبه!

**

بدأت الثورة داخل السجن الصغير بسببه، الجميع يصرخ ليخرجوهم، فهم مثلهم لهم الحق في اتخاذ إبعاد الهواء ليتشكلوا فيه كيفما يشاءون، وسخر الذين لا يملكون إلا العقاب، وكأن الحياة تقسم البشر إلى قليل من أقوياء وكثر من أنقياء وتعطي الأقوياء قوتها كي يدفعوها دفعاً إلى الأمام، يفشل الأقوياء في السيطرة على الوضع، تنكسر أسوار السجن الصغير،يخرجون إلى سطح المركب، يتشاجرون مع الأقوياء، يختل توازن المركب المتهالك، يرتفع الموج، يصرخ الجميع، من يستطيع السباحة يقفز، وهو يظل خائفاً ينظر إلى السماء، ويتمنى لو كان معه طائرته الورقية، ليعبر من أبواب فُتحت كي ينزل المطر، يغضب البحر، يثور البحر، يصرخ الجميع، يهرول الجميع،تسود الدنيا ولا يجد سوى حضن الغريب ليقفز به وأمه في الخلف تنظر له بعين ترضعه الخوف بدلاً من الإيمان!