8 نصوص قرآنية «منزوعة من السياق» يستغلها الإرهابيون لسفك الدماء

كتب: سعيد حجازى وعبدالوهاب عيسى

8 نصوص قرآنية «منزوعة من السياق» يستغلها الإرهابيون لسفك الدماء

8 نصوص قرآنية «منزوعة من السياق» يستغلها الإرهابيون لسفك الدماء

تسعى الجماعات المتطرفة بشتى السبل لنشر فهمها السقيم والمعوج لآيات الجهاد فى القرآن الكريم، بغرض استقطاب عناصر جديدة من غير الواعين بالتفسير الصحيح للنصوص الدينية، ويلوى المتطرفون عنق آيات القران ليبيحوا لأنفسهم القتل وسفك الدماء، وينسبون كذبهم وتدليسهم هذا للإسلام وهو منه براء، ويزداد كذب الإرهابيين ويظهر بوضوح فى مجالين أساسيين هما تفسير آيات الجهاد بالقرآن، واستنباط الأحكام الشرعية وفقه الآيات.

ويقول تقرير لمرصد الإفتاء لمقاومة التطرف، بعنوان «الجماعات الإرهابية والفهم الخاطئ لآيات الجهاد»، إن الإرهابيين ينتزعون الآيات من سياقها ويهملون آيات أخرى لكى يحوّلوا الإسلام إلى دين قتل، ويوضح التقرير أمثلة على ذلك، ويقول إن التنظيمات المتطرفة أوّلت آية السيف (التوبة: 5) تأويلاً فاسداً وادعوا أنها وحدها نسخت أكثر من 100 آية من القرآن، «وهو ما يؤصل لدى تلك التنظيمات أن العلاقة مع غير المسلمين هى: السيف والحرب والضرب، وأن كل ما ورد فى القرآن من أخلاق العفو والغفران والصفح والصبر والبر والقسط والتسامح فى التعامل مع الآخر، ذلك كله منسوخ بآية السيف»، والنسخ معناه هو «رفع الحكم الشرعى بدليل شرعى متأخر»، وبموجب هذا الفهم يصبح التعامل مع غير المسلمين بالتسامح حكماً معطلاً وقيمة ملغاة، «مع ما يستتبع ذلك، بالضرورة، من إشهار للسيف على الدوام، وتأجيج القتال والقتل أبداً»، ويذكر التقرير عدّة أمثلة لآيات قتال يفهمها الإرهابيون بطريقة خاطئة ومنها: قوله تعالى: «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ» (المائدة: 44)، والفهم الخاطئ: يستدلّون بها على مطلق تكفير كل مَن ترك حكماً من أحكام الله، بينما الفهم الصحيح: أن من ترك الحكم بما أنزل الله كلية بحيث اعتقد أن حكمه أفضل من أحكام الله فقد كفر، أما من أقرّ بأن أحكام الله هى الحكمة والعدل لكنه تعثّر فى تطبيقها لضعف فى نفسه أو تكاسل أو بسبب معوقات فهو مسلم ومؤمن لكنه عاصٍ بمقدار ما أخل به من الأحكام.

{long_qoute_1}

وهناك 6 آيات من سورة التوبة وهى الآيات 5 و12 و14 و28 و29 و123، قوله تعالى: «فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»، «وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ»، «قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ»، «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»، «قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ»، «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ»، ويفسرونها خطأ زاعمين أنها تحض على القتال والتربص بالمشركين فى كل مكان.

بينما الفهم الصحيح لهذه الآيات الست، يميز بين توجهات ثلاثة للمشركين: أولاً: مشركون معاهدون للمسلمين، يحترمون العهود ويجب الوفاء بالعهود لهم (التوبة: 4)؛ ثانياً: مشركون محايدون لم يحدّدوا موقفاً ضد أو مع المسلمين ويجب وضع الحقائق أمامهم ثم تركهم أحراراً ليقرروا ما يقرّرون (التوبة: 6)؛ ثالثاً: مشركون يقاتلون المسلمين، ويجب قتالهم (التوبة: 10)، ويرى المتطرفون أن الآية 5 بسورة التوبة، التى تسمى بـ«آية السيف» توجب قتال الكفار حيث وجدوا، حال رؤيتهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم، بينما الفهم الصحيح: أنه لا يجوز اعتبار أنها تنسخ أحكاماً أخرى واردة فى القرآن.

{long_qoute_2}

ويستدل المتطرفون بالآية 123 من سورة التوبة، لاستعمال القسوة والوحشية مع مَن يختلفون معهم، بينما الفهم الصحيح للآية أنها: وردت فى سياق الإعداد المعنوى والتعبئة النفسية للجيوش الإسلامية التى تخوض قتالاً عادلاً وتريد صدّ الأعداء، ويستدل المتطرفون خطأ بقوله تعالى: «فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا» (محمد: 4)، بأنه دليل على أن ضرب الرقاب هو الذبح وقطع رؤوس العُزّل والأسرى، بينما التفسير الحقيقى أن الآية تتحدث عمّا يقع من قتل العدو فى المعركة حين يكون هنالك اشتباك معه، كما أن «ضَرْبَ الرِّقَاب» لا تدل على الذبح بل على شدة القتل.

وأكد التقرير على أنه «رغم أن هناك الكثير من آيات الذكر الحكيم تدعو إلى الرحمة والبر والقسط والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة... إلا أن تنظيمات الظلام التى تعشق سفك الدماء وتستبيح الأعراض تأخذ آيات القتال، وتؤوّلها بحسب فهمها السقيم وتفسيرها العقيم»، فهى «تجتزئ آيات القتال وتبترها من سياقها ولا تربطها بالآيات قبلها وبعدها».

وقال الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف، قول الله تعالى: « أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ» نجد بداية أن القرآن الكريم لم يعبر بقوله: أَذِن الله، ولكن قال: (أُذن) بالبناء للمجهول، ولم يقل أذن للمؤمنين، ولا أذن للمسلمين، ولا للذين يُؤذَون، وإنما جعل علة الإذن: «أذن للذين يقاتلون» لحكمة جليلة، وهى: أن الجهاد شرع لدفع الظلم وردِّ اعتداء المعتدى، مشيراً إلى أن القادة من الخلفاء الراشدين والصحابة قد فهموا هذا المعنى، فكانوا يوصون قادة جيوشهم ألا يبدأوا العدو بالقتال، حتى تكون المبادأة من العدو أولاً، لأن الإذن جاء لمن يقاتَلون، لا لمن يُؤذَوْن، حتى يكون العدو هو المعتدى ابتداء، ثم يردون عليه ظلمه واعتداءه عليهم، وبعد ذلك تأتى البشرى من الله (عز وجل) حيث ختم الآية بقوله: «وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ»، إذن فالجهاد القتالى شرع للدفاع عن النفس والوطن، وبعد اعتداء العدو، والمقاتلة من العدو، وأن تكون هذه المقاتلة منه ظلماً وافتراء.

ويوضح أن الجهاد الذى هو بمعنى القتال شُرّع للدفاع عن الوطن، وعن الدول أن تستباح، وليس لآحاد الناس أو لحزب أو لجماعة أو لفصيل أو لقبيلة أن يعلن هذا الجهاد، إنما هو حق لولى الأمر وفق من أناط به دستور كل دولة وأعطاه الحق فى إعلان حالة الحرب والسلم، سواء أعطاه الدستور لرئيس الدولة، أم لمجلس أمنها القومى، أو للرئيس بعد أخذ رأى برلمانها، والمهم أن قضية إعلان حالة الحرب ليست ملكاً للأفراد أو الجماعات، وإلا أصبح الأمر فوضى، وعدنا إلى حياة الجاهلية.

ويقول حسن محمد، عضو مرصد الإفتاء للفتاوى المتشددة، إن المتطرفين ضيقوا مفهوم الجهاد ليقتصر على القتال، «ثم اختزلوه إلى القتل المحض وقطع الرقاب»، ثم أصبح القتل لديهم غاية لا وسيلة، فالمتطرفون يفسرون آيات الجهاد فى القرآن «تفسيراً سقيماً»، دونما مراعاة لضوابط الجهاد حيث ينتزعون الآيات من سياقها ويهملون آيات أخرى لكى يحوّلوا النص الدينى لغايتهم وهى القتل، دونما مراعاة لأن الجهاد فى الإسلام «يمثّل إحدى شعب الجهاد السلمية التى لا تُحصى، وهو الاستثناء المكروه لا القاعدة، والضرورة التى تقدر بقدرها، قال تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ»، فلا يجوز فى الإسلام اللجوء إلى الجهاد «إلا دفاعاً عن حرية المعتقد والوطن الذى بدون حريته يستحيل إقامة المعتقد الدينى على النحو الذى أراده الله».

وتابع: الدعوة هى الأصل فى الإسلام وعندما تطور الأمر من الإذن فى القتال إلى الأمر به، جاء القرآن الكريم ليضع الإخراج من الديار (مكّة) سبباً لهذا الأمر، وهو ما يُفهم من آية «وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ»، فالقتال الذى أذن به الله هو قتال دفاعى ضد الذين أخرجوا المسلمين من ديارهم، لتحرير الوطن الذى سلبه منهم المشركون، فالقرآن يقول «وأخرجوهم من حيث أخرَجوكم».

وأكد الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن الأصل فى الإسلام الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وليس بالإكراه أو الترويع، وأن القتال والجهاد فى الإسلام شرع كرد فعل للظلم والاعتداء، وأن هناك إطاراً واضحاً لفهم آيات القتال فى القرآن الكريم وليس بتر النصوص، أو عزلها عن سياقها، أو تأويلها على غير مرادها، أو تفسيرها بما يتناقض مع القطعيات الأخرى، وبما يخالف مقاصد الشريعة الحنيفية السمحة الغراء، ومرد ذلك إلى الجهل باللغة وفساد القصد، وأيضاً هناك أخلاقيات الإسلام فى ميدان القتال إذا ما استدعته الضرورة، وأضاف: «لقد ظل الرسول فى الفترة المكية لمدة ثلاث عشرة سنة تقريباً يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم تنزل آية واحدة تأمره بالجهاد فى هذه الفترة رغم مناوئة المشركين لدعوته وإيذائهم له ولأصحابه، بل تجاوزوا الحد فاعتدوا عليه، وسلطوا سفهاءهم يلقونه بالحجارة، كل ذلك ولم يؤمر بقتال، أو رد اعتداء، وإنما أمر بالصبر وتحمل الإيذاء، كما هو شأن الرسل فى أول الأمر، وقد أفصحت آيات القرآن الكريم عن ذلك فى العديد من المواطن».


مواضيع متعلقة