أحزان اليمن.. وهموم خادم الحرمين

جمال طه

جمال طه

كاتب صحفي

القدس حبست أنفاسنا جميعاً.. كنا بانتظار مواقف حاسمة من إيران، صاحبة «فيلق القدس»، أو وكلائها بالمنطقة؛ الحوثيون، حزب الله، الحشد الشعبى، كتائب القسام، وسرايا بيت المقدس، لكنهم منشغلون بالتمدد.. ضاعت القدس، وانضم اليمن «الحزين» لمناطق نفوذهم.. يا خادم الحرمين الشريفين.. انتبه!!، فبعض الأخطاء، والخطايا، جلبت تركيا وإيران، أكبر قوتين إقليميتين، إلى الساحل العربى من الخليج، واخترقت إيران قلب الجزيرة العربية.. همومكم أضحت جبالاً.

على عبدالله صالح حكم اليمن قرابة 40 عاماً، 33 منها رسمياً، والباقى بالمناورة وفرض الأمر الواقع، بشاعة اغتياله أثارت تعاطفاً، لكن التاريخ يستند لضعف حديث «اذكروا محاسن موتاكم»، ليؤكد أنه أسوأ حكام المنطقة.. شارك فى قتل الرئيس السابق إبراهيم الحمدى أكتوبر 1977، تحالف مع السعودية فى خوض ست جولات من الحرب ضد الحوثيين «2004/2009»، وأعدم زعيمهم حسين الحوثى.. تحالف مع الإخوان «التجمع اليمنى للإصلاح»، وسمح بنشر التشدد الدينى، حتى تغلغلت «القاعدة» فى الجنوب، فسمح لأمريكا بالتعامل معها، دون رجوع للدولة.. وقع اتفاقية جدة 2000، تنازل فيها للسعودية عن عسير وجيزان ونجران.. عندما انقلب عليه الإخوان وانضموا لانتفاضة 2011، تعاون مع الحوثيين «الشيعة» للانتقام، وقاد انقلاب سبتمبر 2014، ما أوقع البلاد فى حرب أهلية، أرغم رئيس الجمهورية «هادى» على الاستقالة فتدخلت السعودية، قاتل مع الحوثيين ضدها لثلاث سنوات، قتل قرابة 10 آلاف، أوقع بالبلاد كوارث إنسانية.. 8.4 مليون على حافة المجاعة، ثلاثة ملايين نازح، مليون إصابة بالكوليرا، ثروته 15 مليار دولار، بينما 45% من اليمنيين تحت خط الفقر، 35% بطالة، عجز الموازنة يتجاوز 50%، الأمية 35%، أطفال الشوارع 20%، 45% دون مياه شرب نقية، والقات على رأس المحاصيل المنتَجة.. «صالح» خان منصبه لحساب مصالحه، وباع وطنه بمناورات سياسية قذرة.. لا تجوز عليه سوى اللعنات.

رغم أن المعروف عنه إجادة الرقص مع الذئاب، إلا أن «صالح» فقد حياته نتيجة أخطاء ما كان يقدر لفطن ارتكابها، عندما طلب التحالف مع الحوثيين 2011 تحفظ قادتهم، بسبب تقاليد الثأر القبلية، التى أغفلها هو، لكن إيران شجعتهم، كمقدمة للسيطرة على الدولة.. بدأوا باستقطاب أنصار «صالح» من ضباط الجيش المحترفين الذين سرَّحهم «هادى» 2012، ضمن إعادة الهيكلة.. الحصانة التى كفلتها السعودية لـ«صالح» فى المبادرة الخليجية سمحت له بتأمين التحالفات القبلية والعسكرية التى مكنت الحوثيين من السيطرة على عمران، واجتياح معسكرات الجيش، والأهداف الحيوية بصنعاء، تحت سمع وبصر الحرس الجمهورى، الموالى لـ«صالح».. ارتكب الخطأ الثانى بتأسيس «مصلحة شئون القبائل» لتتولى صرف مخصصات شهرية لزعمائها، فأفسدهم، وجعلهم ينحازون لمن هو فى السلطة، ضماناً لاستمرار العطايا.. الحوثيون تغلغلوا داخل مؤسسات الدولة، أغدقوا على مشايخ ورجال قبائل «طوق صنعاء»، وجمعوهم فى تحالف يرتبط بهم.. اعتقلوا الناشطين والصحفيين الموالين لـ«صالح»، وأقصوا المسئولين التابعين له، نشروا الكمائن العسكرية، واقتحموا جامع الصالح الكبير، وفرضوا حصاراً على عائلة «صالح»، وقيادات ومقرات المؤتمر الشعبى.. واتخذوا قرارات أحادية شملت تغييرات فى رأس السلطة القضائية، والأجهزة الأمنية والرقابية والمالية، ليحكموا قبضتهم على الدولة.

«صالح» كثف اتصالاته مع أمريكا والسعودية، بوساطة إماراتية، طُلِب منه التنازل عن رئاسة «المؤتمر»، ومغادرة البلاد، بعد التعاون لطرد الحوثيين، وطُرحت فكرة تشكيل حكومة ائتلافية بمشاركة «المؤتمر» و«تجمع الإصلاح»، يرأسها خالد بحاح، ويتولى أحمد على صالح وزارة الدفاع، أو يشكلها الأخير توطئة لترشحه للرئاسة، قوات «صالح» استعادت السيطرة على الأهداف الحيوية بالعاصمة، دعا الشعب للانتفاض ضد الحوثيين، وأكد استعداده لفتح صفحة جديدة مع دول الجوار، الإعلام السعودى حذف اسم «المخلوع»، وبدأ القصف لأهداف الحوثيين السرية يتسم بالدقة والفاعلية، كثمرة للتنسيق.. المكاسب التى حققها الحوثيون عبر سنوات أضحت فى مهب الريح، فأهدروا دم «صالح»، نجحوا فى اختراق أمنه، زرعوا أجهزة تنصت بالقصر، جندوا المسئول عن مخزن أسلحة الحرس الخاص بتأمينه، وقبائل طوق صنعاء سمحت بتدفق تعزيزاتهم للعاصمة، فجّروا القصر، ولاحقوا موكبه، واغتالوه، واستعادوا السيطرة بعد تصفية من ظل على ولائه لـ«صالح» من قادة الحرس والحزب.. جعفرى، قائد الحرس الثورى الإيرانى، اعترف ضمناً بالمسئولية: «مؤامرة الانقلاب تم إخمادها فى مهدها، والدعم الإيرانى لليمن استشارى، لكنها بحاجة إلى أكثر من ذلك، ولن ندخر جهداً»!!، وعبدالملك الحوثى استبدل خنجره بخنجر والده المقتول، ليؤكد الأخذ بالثأر، واعتبر اغتيال صالح «يوماً تاريخياً»، وحشود الحوثيين خرجت فى احتفالية تردّد: «انتقمنا لسيدى حسين».

 

يا خادم الحرمين: تلك حقائق ينبغى إدراكها..

تصفية «صالح» تمت فور التأكد من أنه بصدد المصالحة مع خصومه، لأن ذلك يعنى نهاية الحوثيين والنفوذ الإيرانى، لذلك فالجهود ينبغى أن تنصب على استكمال المصالحة، وتوحيد قوات على محسن الأحمر، نائب الرئيس، مع بقايا الحرس الجمهورى، بقيادة أحمد على صالح، وإلا فالأمور إلى انهيار.. مواجهة المجاعة، والكوليرا، وتسكين النازحين، التزام على المملكة بحكم دورها الإقليمى، قبل أن يكون أخلاقياً، وهو يحسّن صورتها دولياً وداخل اليمن، وعليها تبنى حملة دولية لذلك.. يأس الجنوب مدعاة لتكريس الانفصال، فاجتهد لمنعه.. الثأر لـ«صالح» يعنى عقوداً من التربص، والحرب القبلية، فلنوسّع المصالحات.. القراءة الاستراتيجية للأوضاع يحددها الدور السعودى، دورية «انتليجنس أون لاين» الفرنسية كشفت يوليو الماضى عن اتصالات بين أحمد عسيرى، نائب رئيس المخابرات، وأحمد على صالح فى أبوظبى، وتردد يوسف الفيشى، مبعوث «صالح» على المملكة، ما يعنى أن تصفية «صالح» لا تمثل إجهاضاً للجهود للسعودية فحسب، بل هزيمة جديدة لتحركاتها الإقليمية.. عاصفة الحزم التى قُدِر لحسمها 15 يوماً، قاربت على استكمال عامها الثالث، ودفعت إيران لمواجهة مباشرة بالصواريخ الباليستية بعد أن كانت تدعم على استحياء، القصف الجوى لا يحسم المعارك، مهما بلغت كثافته، والحصار يتحمل تبعاته المدنيون، ويضاعف السخط.. الحوثيون اكتسبوا الثقة فى قدرتهم على الانتصار.. الجسر الذى مدته إيران لقلب الجزيرة العربية ستعبر عليه الأهوال، ما لم يتم قطعه، ولو بحرب بحرية جوية تستهدف أى وجود إيرانى حتى لو خارج المياه الإقليمية أو المجال الجوى لليمن، إيران حالياً فى أضعف مستويات التسليح للقوتين، فلماذا تقبُّل الهزيمة؟!.. إيقاف مشاركة قطر فى التجمعات الخليجية المتعلقة بالقضايا الاستراتيجية أصبح ضرورة أمنية، إيران تؤمّن النظام، والدوحة ترتبط بعلاقة خاصة مع الحوثيين، وهناك شكوك حول دورها فى تصفية «صالح»، من خلال وساطتها للمصالحة بعد إهدار دمه، وقبل تصفيته مباشرة، واتصالات قطر بالتنظيمات الإرهابية تفرض ذلك، على الأقل مؤقتاً.

اللهم بلغت، اللهم فاشهد.