عزيزي القاريء

كتب: سامية مصطفى

عزيزي القاريء

عزيزي القاريء

عزيزي القاريء، إذا كنت ممن يشتاط غيظًا كلما سمع مسمى "الدروس الخصوصية"، فهذا المقال لا أنصحك بقراءته منعًا للدخول في مجادلات لن تنتهي بيننا وإن انتهت فربما أنهيها أنا بطريقتي وأجعلك تتعاطف معي لأنني إحدى ضحايا تلك الدروس، إذًا فلست بصدد الدفاع عن الفكرة ولكن أحاول بعين عادلة التأمل وعرض الفكرة بمنظورين إحداهما يحمل الإيجابيات والآخر يحمل السلبيات. أما إذا كنت معلمًا أو طالبًا فنحن الآن على أعتاب دخول ملعبكما، لا نُريد المزايدة وإشعال الملعب لصالح أحد، بل نحاول تمرير الكُرة بغرض إكمال المتعة وإظهار الامكانيات.

بداية.. حاولت أن أتأمل ما كان يروق لي كطالبة في الثانوية العامة تغدو وتروح خماصا بين الدروس الخصوصية وما أدراكم ما الدروس الخصوصية في المراكز التعليمية! فهي عبارة عن قاعة مناسبات أو مسرح يظهر على خشبته نجم الموسم المدرس المرموق صاحب الصيط والغني عن التعريف، وأمامه صفوف من الطلبة تتكاثر ولا أجدعها حفلة لعمرو دياب، ليبدأ بالاسترسال وتلقين مايمكن تلقينه من السيمفونيات التي تكررت على أذاننا حتى حفظناها.

ولا أخفي عليكم سرًا أن النوم كان يغلبني من شدة الإرهاق، ولكن ما كان يوقظني هو صوت الـ"ـهاهاهاها" التي تخرج من جموع الطلبة وتجعلني "أهاهاهاهاها" معهم متسائلة: "هو قال إيه ياعيال احكوا لي؟"، لأنتبه من جديد محاولة فتح عيني بطريقة قد تتسبب في فقدهما أي والله، وكل ذلك حتى لا يفوتني الدرس و"الألش" الاثنين معًا، ولكن... "خخخسيموووف بوف"، ثم أستيقظ.. مجددًا على صوت التصفيق الحار أو الغنوة التي حفظنا إياه الأستاذ، فأرددها وكأن شيئًا لم يكن، إلخ إلخ.

وهنا عزيزي القاريء نستنتج أن مدرسي "السناتر" يمتازون بخفة الدم وسرعة البديهة وتحويل الفسيخ "المنهج" إلى شربات يتناسب مع أنماط شخصيات تلاميذهم أو مُريديهم (سواء السمعي، البصري والحركي.. إلخ من الأنماط المتعددة)، وهو ما يحتاجه الطالب الغلبان الذي لم يتعود على هذا الكم من "الدش" وحرقة الدم، ولم يجد وسيلة أخرى قد تساعده في المدرسة على استيعاب ودراسة المنهج بالطرق التي تناسبه.

إذا هذا المدرس نجح؛ لأنه عرف "ما الذي يحتاجه الطالب" و"ماهي نقطة ضعفه"، وقدم إليه الحل على ورق من ذهب، ولأن ورق الذهب نادر الوجود -إن كان موجوًدا أصلا-؛ فمن حق المُدرس هنا أن يبيعه بأعلى الأثمان، فهو أنفرد بما لم يحاول غيره.. أن ينفرد به.

ومما لاشك فيه أن هناك سلبيات إذا كتبنا عنها لن ننته، لكن أسوأ مشهد بالنسبة لي هي أنني التقيت بعد الثانوية العامة بسنة تقريبُا أحد الأساتذة صغار السن-الذين كنت أتردد على محافلهم في المراكز التعليمية لشهرته-؛ في أمسية شعرية وصعد كل منا على خشبة المسرح ليلقي قصيدته وما إن انتهينا، ذهبت لأسلم عليه وأعرفه بنفسي وأنني تلميذته، فأدهشني برده أنه لا يتذكرني، ولم يحاول حتى إلقاء سؤال من نوعية: "طب فكريني"! وفي الحقيقة عذرته فأنا مجرد رقم وسط عدد كبير من الطلبة ولا أخفي عليكم سرا أنا أيضًا ظللت شاردة قبل أن أذهب إليه لأتذكر اسمه ياترى "البقاطيري.. البرابيري... ياربي حاجة إيري!"، إذا ومع الأسف كلانا مجرد عابر سبيل في حياة الآخر، بائع ومشتري تنتهي علاقاتهما ببعض فور إتمام البيع!

لذلك وختامًا لموضوعنا عزيزي القاريء؛ مُدرس الدروس الخصوصية هو موضع بحث ونموذج لابد أن نقتد بمميزاته التي تجعله مطلوبًا في السوق بين الطلبة وأولياء الأمور، وأن نضع المسميات في موضعها، هو ليس مًعلمًا تربويًا من وجهة نظرك، لكنه "مُلقن، مُحفظ، مُيسر" جيد، يشكر على مايقوم به خاصة وأن نتائج مايقدمه ساعدت الكثير على تحصيل أعلى الدرجات.

ومن مقالي هذا أرسل سلاما طيبا أحمله إلى ذلك المدرس، هامسة في أذنيه باسم كل طالب: "من فضلك أترك أثر بيني وبينك وأعرني انتباهك.. فربما نلتقي في يوم ونجد ما نتذكره سويًا".


مواضيع متعلقة