محمود مسلم يكتب: حكاية أولها شعب.. وآخرها رئيس

الإثنين 22-01-2018 PM 06:56
محمود مسلم يكتب: حكاية أولها شعب.. وآخرها رئيس

الكاتب الصحفي محمود مسلم رئيس تحرير "الوطن"

خلال مؤتمر «حكاية وطن» استرجعت ذكريات كثيرة منذ سنوات، عندما كان الجدل حول ترشّح «السيسى» للرئاسة بين أغلبية كنتُ منهم ترى ضرورة ترشحّه، وأقلية ساقت حججاً واهية أثبتت تجربة الـ4 سنوات عدم صلاحيتها، فمن كان يرى أن وصول «السيسى» للرئاسة سيجعل العالم يتعامل مع ثورة 30 يونيو كانقلاب، أدرك الآن أن العالم يتعامل مع «السيسى» كزعيم ومع مصر كدولة كبيرة ومؤثرة، ولم يعد أحد يتحدث عن الانقلاب أو الإخوان، سوى قطر وتركيا، لأهداف تآمرية. أما مَن تحججوا بضرورة استمراره على رأس وزارة الدفاع لضمان التطوير، فالواقع يؤكد أن مسيرة زيادة القدرات التى بدأت فى عهده كوزير للدفاع استمرت خلال رئاسته للجمهورية، واستطاع الجيش المصرى ليس زيادة التسليح فقط، بل المشاركة فى خطة تنمية الدولة بجميع المجالات، وكان الفريق أول صدقى صبحى خير خلف لخير سلف، ليؤكد الجيش أنه مصنع الرجال، أما مَن ردّدوا أن «السيسى» مستهدَف، وبالتالى لن يستطيع القيام بزيارات فى المحافظات، فالواقع كشف ضعف هذه الرواية، فالرجل طاف كل مواقع الإنتاج فى جميع المحافظات، وعقد مؤتمر الشباب عدة مرات، ولا أعتقد أن المخاطر الأمنية حوله حالت يوماً دون ذهابه إلى مكان كان من المفترض أن يذهب إليه. أما مَن أرادوا أن يعزف المشير «السيسى» عن الترشح ليظل البطل الشعبى، فقد كتبت وقتها فى مقالى بـ«الوطن» بتاريخ 1 يناير 2014: (أما الكلام عن الاكتفاء بدخوله التاريخ فمردود عليه أيضاً بأن «المشير طنطاوى» لم يدخل التاريخ برغم أنه حافظ على ثورة يناير وسلّم السلطة، وبالتالى فإن ضمان النتائج بأن تتقدم مصر بعد ثورة 30 يونيو أصبح شرطاً لدخول التاريخ.. وبما أن المصريين لم يجدوا حتى الآن من يأتمنونه على المستقبل فإن ترشح «السيسى» أصبح لا مفر منه، أما حدوتة «البطل الشعبى» التى يرددها أنصار المرشحين الطامحين فمكانها «المتحف» وليس قصر الرئاسة).

نجح «السيسى» كرئيس لا يبحث عن مجد شعبى، ولكن يضع مصلحة الدولة نُصب عينَيه وإلا ما كان اتخذ قرارات الإصلاح الاقتصادى، أو كما قال فى كلمته بمؤتمر «حكاية وطن»: لست ممن يضحّون بمصلحة شعب لمصلحة شخصية.. ومن أفضل ما حدث فى سنوات حكم «السيسى» إعادة الاعتبار للشعب، فقد حرص الرئيس خلال المؤتمر على وقوف الحضور لتحية الشعب المصرى، كما كان طوال الـ4 سنوات الماضية حريصاً على القرب من البسطاء، لا ينسى أحد زيارته الأولى لفتاة التحرُّش بالمستشفى، واستضافته للحاجة زينب ولفتاة العربة ولنماذج كثيرة تمثل الأصالة المصرية.

لم يترك الرئيس المصريين فى أى موقف وتفاعل قولاً وفعلاً.. يملك نبض الشارع وبوصلة المواطن

«السيسى» كرئيس شعر به الشعب المصرى فقد كان موجوداً ومتفاعلاً كلما احتاج المصريون، فطوال الوقت كان نبض الشارع لديه يتحدث ويطمئن المصريين ويتفاعل مع مشاكلهم، فمن رد سريع وقوى بعد أزمة ذبح المصريين فى ليبيا، إلى تفاعل أقوى مع مشكلة السيول فى الإسكندرية، حيث تم حل الأمر من الجذور، ولم تعُد مرة أخرى فى السنوات التالية، إلى زيارات للأقباط أسعدتهم مع إخوانهم المسلمين، وتدخّل حاسم فى أزمة الهجرة غير الشرعية أدى إلى إنهاء الظاهرة وفق ما أعلنه الرئيس فى المؤتمر قائلاً: «لا يوجد قارب واحد اتجه من مصر نحو أوروبا منذ سبتمبر الماضى».

الأهم فى مشروعات الرئيس التى وصل عددها إلى 11 ألفاً خلال 4 سنوات بتكلفة 2 تريليون جنيه، أن يعرف الجميع أن الوقوف فى المكان يعتبر تراجعاً فى هذا العصر الذى تسير فيه كل الدول بسرعة فائقة، وبالتالى لم يكن أمام مصر إلا أن تتحرك بسرعة إذا كانت تريد التحول إلى دولة قوية وأن تنطلق حتى لو اختلف القليل حول الأولويات، لأن هذه المشروعات لو لم تكن تتم بأسرع ما يمكن كان من الممكن أن تتضاعف قيمتها، بينما الآن يمكننا جنى الثمار.

تقييم فترة «السيسى» يجب ألا يتم دون تذكّر الظروف والمناخ، فقد تسلّم الدولة فى ظروف صعبة جداً.. إرهاب.. عزلة دولية.. تراجع وانهيار اقتصادى.. حالة سيولة فى الشارع غير مسبوقة.. غياب تام للكفاءات.. استهداف إخوانى قطرى تركى أمريكى وبعض دول أوروبا.. تفكك مؤسسات الدولة.. بالإضافة إلى ما استجدّ من 3 حوادث طيران «روسيا - فرنسا - قبرص» برغم أن المعدل المعروف أن تجرى حادثة طيران كل نصف قرن، وهو ما أدى إلى تراجع دخل السياحة التى كانت تدر على مصر 12٫5 مليار دولار، بالإضافة إلى تراجع دول الخليج عن تقديم الدعم لمصر، وغيرها من الظروف المضطربة، مثل أحداث غزة وحرب اليمن، وعودة عدد كبير من المصريين العاملين فى الخارج، سواء بليبيا أو دول الخليج، بالإضافة إلى مستجدات كثيرة أخرى..

بالطبع كان يمكن لـ«السيسى» أن يطرح هذه الظروف كتبرير لعدم الإنجاز، لكن الرجل تحدّى التحدى «وهى كلمة المرحومة الإعلامية صفاء حجازى»، واستطاع أن ينجز بسرعة كبيرة مشروعات شعر بها المواطن.. والأهم أن «السيسى» طوال فترة حكمه تفاعل مع المصريين، فلم يتركهم فى أى موقف صعب، بل بادر دائماً بالرد، سواء بالفعل والقول، مما يدل على أن نبض الشارع كان لديه بصدق طوال الوقت.

تقييم فترة «السيسى» لا يجب أن يتم دون تذكّر الظروف والمناخ، فقد تسلّم الدولة فى ظروف صعبة جداً.. إرهاب.. عزلة دولية.. تراجع وانهيار اقتصادى.. حالة سيولة فى الشارع غير مسبوقة.. غياب تام للكفاءات.. استهداف إخوانى قطرى تركى أمريكى وبعض دول أوروبا.. تفكك مؤسسات الدولة.. بالإضافة إلى ما استجدّ من 3 حوادث طيران، بالإضافة إلى تراجع دول الخليج عن تقديم الدعم لمصر، وغيرها من الظروف المضطربة، مثل أحداث غزة وحرب اليمن، وعودة عدد كبير من المصريين العاملين فى الخارج، سواء بليبيا أو دول الخليج.

اللافت فى عهد «السيسى» أن الاختلاف يمكن أن يكون حول أولوياته، لكن لا يمتد إلى شخصه وإخلاصه ووطنيته، كما أن أحداً لا يشكك فى الإنجازات الحقيقية.

هناك مجالات عديدة ظاهرة بقوة خلال ولاية «السيسى» الأولى، لعل أبرزها الأمن، العلاقات الدولية، الجيش المصرى، الكهرباء، الإسكان، الطرق والكبارى وغيرها، أما عن الاستقرار الأمنى الذى تطور بشكل كبير، وإن كان الإرهاب ما زال يطل برأسه، لكن المؤكد أن ما بقى أقل كثيراً مما مضى، كذلك عودة الكثير من مكانة مصر الدولية، فمن عزلة وعقوبات سواء من أمريكا وأوروبا إلى انفتاح كامل وتعاون قائم على الاحترام وتبادل المصالح، أو كما قال الرئيس «السيسى» فى مؤتمر حكاية وطن: «هامة مصر عالية، وقرارنا الوطنى ظلَّ فى كل الظروف مستقلاً 100٪»، كما تحدث عن العزة والشرف المصرى، واستطاع خلق تعاون متنوع، والمؤكد أن مصر تدفع الثمن، فمن غير المستساغ لأمريكا أن تحصل على معونات منها وتشترى أسلحة من روسيا وفرنسا والصين وألمانيا وغيرها، وهنا يجب التأكيد على أن الجيش المصرى أصبح مدعاة للفخر بتسليحه وتدريبه وكفاءته وتصنيفه الدولى، الذى يحتل المركز العاشر، وهو المؤسسة المصرية الوحيدة التى لها تصنيف عالمى، والأهم أن ميزانية الدولة لم تتكلف شيئاً فى إعادة تسليح الجيش بأحدث المعدات والأجهزة، ورغم كل مَن عارضوا التسليح، فإن الظروف الحالية تؤكد صحة رؤية «السيسى»، فالمخاطر أصبحت تحيط بمصر من كل جانب، وآبار الغاز والبترول تحتاج إلى قوة تحميها.. والسلاح هو أفضل طريق للردع، أما المجال الآخر فهو الكهرباء حيث تمت إضافة 25 ألف ميجاوات بما يعادل 12 ضعف قدرة السد العالى، ويجب أن نتذكر أيام الإخوان الذين أظلموا مصر على مستوى المكانة والكهرباء، ووقتها كان الجميع يتمنى شراء الكهرباء بأى ثمن، وما تم فى هذا المجال يعكس رؤية وإرادة، حيث أصبحت طاقة مصر مؤهلة لاستثمارات واعدة.

ما تم فى الإسكان لا يقل بأى حال عن المجالات السابقة، فحركة عمرانية كبيرة جداً جددت خريطة مصر الجغرافية من مدن جديدة، مثل العاصمة الإدارية التى عارضها البعض، وصمم «السيسى» على إنجازها، وبدأت تؤتى ثمارها، حيث أسهمت فى رفع أسعار أراضى الدولة فى جميع المناطق المحيطة، وأعطت آفاقاً جديدة لتنمية حقيقية فى منطقة أصبحت واعدة جداً، ومدينة الإسماعيلية الجديدة، ثم مدينة العلمين، وغيرها من المشروعات، مثل الإسكان الاجتماعى الذى وصل إلى 600 ألف وحدة، بينما وصل إجمالى الوحدات السكنية إلى 1 مليون و858 ألف وحدة سكنية، بالإضافة إلى تطوير العشوائيات، وأبرزها مشروعا «الأسمرات وغيط العنب» وغيرهما. أما الطرق وهى البنية الأساسية للحياة والاستثمار معاً، فقد تم تنفيذ 5000 كم وتطوير 2000 كم من شبكة الطرق الحالية، ولا أعتقد أن هناك مساحة فى مصر لم يتم فيها إعادة رصف أو إنشاء كبارى أو أنفاق أو طرق جديدة خلال السنوات الأربع الماضية، ويكفى أن كل ذلك يتم بأحدث الأساليب، وأعتقد أن معدلات الحوادث قد تراجعت، كما صرح د. هشام عرفات، وزير النقل، فى حواره بـ«الجمهورية» المنشور 6 يناير الحالى، فإنه بفضل المشروع القومى للطرق، بشهادة الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، فقد انخفضت نسبة الوفيات فى حوادث الطرق 26٪، وأعتقد أن ذلك التراجع نتيجة لوجود الطرق الحرة، وتخصيص حارات لسيارات النقل الثقيل، كما سيظل مشروع قناة السويس الجديدة ملحمة فخر ودليلاً على إرادة وقدرات المصريين فى فترة فقد الجميع فيها الأمل حتى لو تأخّر عائده الاقتصادى المتوقع قليلاً. وهناك مجالات أخرى تفوقت كثيراً مثل الاتصالات والاستثمار والشباب والأوقاف والطيران والتضامن الاجتماعى وشئون الهجرة والآثار والبترول، ولا أحد يستطيع إنكار ما تحقق من جهد فى القضاء على فيروس «سى»، أو إطلاق حلم قانون التأمين الصحى، ولا أعتقد أن أحداً يستطيع الجدال فيما تحقق للأقباط خلال السنوات الماضية من إعادة لحقوقهم الطبيعية كمواطنين مصريين، أو ما تم للمرأة المصرية فى جميع المجالات، التى تُوِّجت بوجود 6 وزيرات على درجة عالية من الكفاءة فى الحكومة، أو فى مجال ذوى الاحتياجات الخاصة.

ستظل مكافحة الفساد أبرز ما يميز عهد «السيسى»، فهناك إرادة سياسية صلبة لاستئصال هذا السرطان اللعين الذى توغّل فى المؤسسات المصرية، فلم يعد أحد معصوماً من المساءلة مهما كان اسم المؤسسة التى ينتمى إليها. فمن المؤكد أن الفترة الماضية شهدت أكبر عدد من المحاكمات والمساءلات لضباط وأمناء بوزارة الداخلية، وهو ما حدث أيضاً فى مؤسسة القضاء، سواء عن تجاوزات أو فساد، وشعر الناس أن هناك جهازاً اسمه هيئة الرقابة الإدارية، بقيادة اللواء محمد عرفان، يعمل بدون خطوط حمراء، فقد بثّ الرعب فى قلوب الفاسدين، واستطاع أن يضبط الوزير والمحافظ ونائب المحافظ وغيرهم، ليؤكد أن الإرادة السياسية فى مواجهة الفساد قوية وبلا سقف، وانتهت ظاهرة سمَّيتُها فى مقال لى بـ«المصرى اليوم»، 8 أغسطس 2009، تحت عنوان «فساد مقاومة الفساد».

«السيسى» أنار مصر بعد أن أظلمها الإخوان على مستوى «المكانة والكهرباء».. ومؤتمر الشباب أهم فعالية سياسية أظهرت نجوماً وحلّت مشكلات محلية كثيرة فى المحافظات أبرزها أزمة مصنع «كيما» بأسوان

وفى إطار سمات ولاية الرئيس الأولى لا يجب أن ننسى مؤتمرات الشباب التى أصبحت أهم فعالية سياسية ومنبراً قوياً للشباب، يعبرون من خلاله عن آرائهم بصراحة، ويشاركون أيضاً فى صناعة المستقبل، بل إن هذه المؤتمرات أصبحت أيضاً نافذة للرئيس على المواطنين، يعرفون من خلالها آراءه ومواقفه، وتحديات إدارة الدولة. وقد كان «السيسى» فى معظم هذه اللقاءات أكثر انفتاحاً خارج البروتوكول، والأهم أن مؤتمرات الشباب أظهرت نجوماً محليين يتم تكريمهم، مثل ياسين الزغبى وغيره، كما أنها حلت مشكلات محلية كثيرة فى المحافظات المختلفة، وأبرزها بالطبع أزمة مصنع «كيما» بأسوان.

إيجابيات الولاية الأولى للرئيس لا تنفى أن البعض رأى سلبيات، فمثلاً النخبة ترصد تراجعاً فى مناخ الحريات والممارسة السياسية، وإذا كان الشارع لا يتضامن كثيراً فى هذا الأمر، لأنه يرى أن الإرهاب يحتاج إلى وضع ملف الحريات جانباً لحين القضاء عليه، لكن الأمل أن يتم الاهتمام بهذا الملف، مع زيادة مناخ الاستقرار، كما يرى الكثيرون من المتفائلين أن وتيرة الإنجاز فى ملفَّى الصحة والتعليم كان يجب أن تكون أسرع من ذلك بكثير، خاصة مع زيادة طموحات المصريين بعد ثورتين، ورغم أن الرئيس ردّ على ذلك بأن دورة تطوير التعليم تحتاج إلى 13 عاماً وإلى أموال ضخمة، حيث قال: «تكلفة الطالب فى الخارج 10 آلاف دولار.. فإذا افترضنا أن فى مصر 10 آلاف جنيه فبحساب 22 مليون طالب فمصر بحاجة إلى 220 ملياراً سنوياً، وهو مبلغ كبير على الموازنة المصرية».

معركة الوعى يجب أن تتحد فيها المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية والإعلامية تحت رعاية الرئيس مباشرة.. لأن «الوعى» هو السلاح الوحيد الذى يستطيع به «السيسى» الحفاظ على إنجازات الدولة وقيمها وثقافتها.. كما أنه يمثل أهم الآليات لنهضة الأمة والحفاظ عليها من مؤامرات جماعة الإخوان الإرهابية الخائنة ومَن يدعمها، وهو الضامن الأساسى ضد ما يُحاك لمصر فى الخارج شرقاً وغرباً، فعندما ينضج وعى المصريين سيُحسنون الاختيار ولن يقعوا فى الأخطاء التى ارتكبوها بحسن نية فى السنوات الماضية.

لكن ما لا يُدرَك كله لا يُترَك كله، وبالتالى فالدولة مطالبة بخلق بعض نماذج التفوق، وحل بعض المشكلات التى لا تحتاج إلى تمويل مادى، وأعتقد أن زيادة نسبة المبعوثين بالخارج 72٪ (حسبما أعلن الرئيس فى مؤتمر حكاية وطن) مؤشر جيد، أما الصحة فإن إصدار قانون التأمين الصحى خطوة جبارة طال انتظارها، والاهتمام ببعض الأزمات مثل «فيروس سى» و«مسببات العمى» و«سرطان الثدى» يمثل بريق أمل فى الاهتمام بهذا المجال.

المشكلة الأكبر التى يواجهها الرئيس فى الشارع، والمؤكد أنها أثّرت على شعبيته نسبياً، هى أزمة زيادة الأسعار نتيجة إلغاء الدعم وتحرير سعر الصرف، ورغم أن كثيرين يقدّرون للرئيس جرأته فى فتح ملفات يخاف البعض من فتحها، وهى أشبه بالجراحة والبتر، لكن الواقع يؤكد أن الناس دفعوا ثمن هذه الجراحة فى الفترة الماضية، ولا أعتقد أن السبب الوحيد هو إلغاء الدعم، بل إن جشع التجار يمثل ظاهرة غريبة استفحلت، والأغرب أن سوء الحظ فى تراجع السياحة، وانخفاض تحويلات المصريين فى الخارج، وتراجع الإنتاج، وزيادة الواردات أدت إلى لخطبة فى الشارع، ورغم جهود الدولة، سواء فى خدمة الرعاية الاجتماعية للفقراء، أو فى خلق إتاحة للسلع، تؤدى إلى خفض الأسعار، كما حدث فى اللحوم والدواجن خلال الأيام الماضية، أو فى تشديد الرقابة على الأسواق، لكن تظل الظاهرة تؤرق المواطن، وتحتاج إلى آليات أكثر صرامة فى رقابة الأسواق ومطاردة الجشِعين، وهو ما سألت عنه الرئيس خلال حواره مع المراسلين الأجانب ورؤساء التحرير منذ شهرين، فأجاب: «لدينا نظم قديمة فى آليات الرقابة نعمل على تطويرها فى الأجل القريب.. ونملك رؤية جديدة سيتم العمل بها قريباً.. فلدينا مشكلة أننا لا نستطيع العمل بالآليات الجديدة مرة واحدة، ولا نستطيع الاستمرار بالقديم».

وهنا يجب أن نتذكر جهد الدولة فى إنشاء 100 ألف صوبة، وإنشاء مزارع سمكية تقترب من 40 ألف فدان، ومزارع حيوانية تضم مليون رأس ماشية، بالإضافة إلى مشروعات القرية الداجنة من أجل توفير احتياجات الناس بأسعار أقل، وقد بذل الجيش مجهوداً كبيراً الفترة الماضية فى توفير سلع بأسعار منخفضة، ليحمى الناس من جشع التجار، لكن المؤكد أن معركة تخفيض الأسعار هى المعركة الأولى لدى الرئيس فى الفترة المقبلة، خاصة أن برنامج الإصلاح الاقتصادى مستمر.

المعركة المقبلة تطوير مؤسسات الدولة وتعميق العمل المؤسسى ونشر الوعى.. ولم يعد أحد معصوماً من المساءلة مهما كان اسم المؤسسة التى ينتمى إليها.. والرقابة تعمل دون خطوط حمراء

إنجازات «السيسى» لم تقف عند مستوى التعمير والتنمية فقط، بل امتدت إلى إرساء قيم جديدة لدولة عريقة، أرساها نظام الرئيس، تجلّت فى عدم كتابة اسم «السيسى» على أى مشروعات جديدة، والاعتماد بشكل أساسى على تخليد أسماء الشهداء الذين ضحّوا بدمائهم من أجل الوطن، بل والاهتمام بأسرهم، ووضعهم كأولوية طوال الوقت ليس كنوع من التكريم، ولكن من منطلق ردّ جزء من جميلهم لبلدهم، كما أرسى الرئيس «السيسى» مبدأ افتتاح المشروعات فى وقت محدد، فانتهى عصر المشروعات المفتوحة دون جدول زمنى، والأهم أنه يتم تشغيل المشروعات مثل الطرق والكبارى دون ارتباط بالافتتاح الرسمى للرئيس من أجل استفادة المواطنين.. كما أرسى الرئيس قيم الاهتمام برجال الدولة حتى بعد خروجهم من مناصبهم، فقد دعا جميع الوزراء السابقين فى مؤتمر «حكاية وطن»، ليقضى على ظاهرة التعامل معهم كخيل الحكومة.

إذا كان الرئيس قد نجح بقدر كبير فى تحقيق شعاره الذى أُطلق أثناء الولاية الأولى «تثبيت الدولة المصرية»، فأعتقد أن معركته المقبلة ستكون «تطوير مؤسسات الدولة»، لأنها تحتاج إلى جهد كبير، فمن غير المعقول أن تدار بنفس الآليات بعد ثورتين، وبعد ثورة تكنولوجية ومعرفية ضخمة جداً.. كما تحتاج إلى تعميق العمل المؤسسى.. والأهم من ذلك هو معركة «الوعى»، بحيث يكون كل مصرى مدركاً لثوابت دولته ومتغيراتها وتطوراتها، أو كما قال «السيسى» فى إحدى جلسات مؤتمر «حكاية وطن» مطلوب أن يكون كل مواطن على قدر كافٍ ومتوازن بحقيقة الأوضاع فى الدولة.. لا يجب أن يعرف أقل من الآخر.

معركة الوعى يجب أن تتحد فيها المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية والإعلامية تحت رعاية الرئيس مباشرة، لأن «الوعى» هو السلاح الوحيد الذى يستطيع به «السيسى» الحفاظ على إنجازات الدولة وقيمها وثقافتها.. كما أنه يمثل أهم الآليات لنهضة الأمة والحفاظ عليها من مؤامرات جماعة الإخوان الإرهابية الخائنة ومَن يدعمها، وهو الضامن الأساسى ضد ما يُحاك لمصر فى الخارج شرقاً وغرباً، فعندما ينضج وعى المصريين سيُحسنون الاختيار ولن يقعوا فى الأخطاء التى ارتكبوها بحسن نية فى السنوات الماضية.

سيظل «السيسى» عنواناً لحكاية وطن ومرحلة نضال شعبى ويقظة متأخرة وكيمياء بين رئيس يتعامل كمواطن.. وشعب يتحمل ويتكاتف ثقةً فى إخلاص رئيس.. أعتقد أن التاريخ سيسجلها بحروف من نور.. حكاية أولها شعب.. وآخرها رئيس.

منذ عام ونصف تقريباً، وتحديداً فى 31 أغسطس 2016، كتبت فى «الوطن» مقالاً تحت عنوان «السيسى.. فرصة مصر» قلتُ فيه: «أعتقد أن السيسى لديه الكثير ليُقدمه خلال السنوات المقبلة، ويمكن أن يتضاعف الكثير إذا ساعده الناس بصورة أفضل...» كنت وما زلت أرى أن «السيسى» أفضل مَن فينا للعبور بهذه المرحلة فى منطقة تموج بالأحداث والتطورات والمؤامرات وفى ظروف اقتصادية وإدارية صعبة حتى لو اختلفنا أو انتقدنا بعض سياساته، فالرجل لم يدّعِ أنه الأصوب فى كل الملفات.. وأعتقد أن الكثيرين من الطيبين يتوسمون فى «السيسى» الإخلاص والوطنية واستقلال القرار المصرى والجد والعمل، ويطمئنون إلى أنه رجل ليس فاسداً، بل مضحٍ بماله الخاص من أجل البلد، وليست لديه شلة فساد، كما أن انحيازاته الدائمة للمواطن البسيط وليس لرجال الأعمال، كما يزعم البعض، بدليل رفع المعاشات لـ9 ملايين مواطن بنسبة معقولة، ويوجه دائماً بعدم غلاء خدمات الغلابة، خصوصاً فى الشريحتين الأولى والثانية.

سيظل «السيسى» عنواناً لحكاية وطن ومرحلة نضال شعبى ويقظة متأخرة وكيمياء بين رئيس يتعامل كمواطن.. وشعب يتحمل ويتكاتف ثقةً فى إخلاص رئيس.. أعتقد أن التاريخ سيسجلها بحروف من نور.. حكاية أولها شعب.. وآخرها رئيس.

أخبار متعلقة

أخبار قد تعجبك

التعليقات

عاجل