خالد عكاشة خالد عكاشة حكاية وطن.. يصنع انتخابات رئاسية
الإثنين 22-01-2018 | PM 09:58

منذ شهور مضت، وإجابةً عن أحد تساؤلات الانتخابات الرئاسية المقبلة، صرّح الرئيس عبدالفتاح السيسى بأنه لن يعلن قراره بشأنها إلا بعد أن يقدم كشف حساب عما أنجزه خلال فترة توليه المنصب. هذا الإلزام السياسى الذى فرضه الرئيس السيسى على نفسه نقل العملية الانتخابية على منصب الرئاسة إلى مساحة من الجدية لم تكن حاضرة من قبل، فمنذ إطلاق هذا التصريح عكفت مؤسسة الرئاسة على إعداد ملفات كاملة تحوى كافة العناوين والمسارات التى انتهجتها إدارة الرئيس خلال أربع سنوات مضت بغرض تقديمها لـ«الرأى العام» على صورة «كشف حساب»، وفق المصطلح ذاته الذى استخدمه الرئيس.

هذه الآلية وحدها، بمسمياتها المقصودة، تعكس على الفور احترام الرئيس السيسى لنفسه ولجهده الذى بذله وللمنصب الذى يشغله، والذى يتقدم لخوض منافسة عليه للمرة الثانية، ففى الوقت الذى يظل فيه للكافة الحق المطلق بالطبع للاختلاف مع عناوين بعينها أو قرارات ومسارات انتهجها، لا يجوز إغفال أن هذا «الرأى العام» المخاطب بالأصل هو اليوم أمام تجربة وضعها صاحبها قيد التقييم بشفافية تليق بها. بدأها الرئيس منذ اللحظة الأولى بإشارة فارقة حين وقف تحية للشعب المصرى، مُقراً بأن تلك التجربة التى كان يتأهب لاستعراض تفاصيلها ما كانت لتنجح من دون دور رئيسى وحاكم لهذا الشعب. وقد أسند عامداً هذا الدور والفضل لـ«الشعب» كافة، حيث كان واعياً أن هذا الأمر لا يخص مؤيديه وحدهم، فسجّل إدراكه بأنه كان للمعارضين والمتضررين أدوار تجلّت فى الصبر وتحمُّل مصاعب التجربة من دون التورط فى أفعال تعرّض الوطن للانكشاف وتضغط على الأحداث بأداءات عشوائية معطلة.

مع استعراض محاور الجلسات التى شهدها مؤتمر «حكاية وطن» تبين أن الرئيس السيسى انتهج لإنجاز تجربته مجموعة رئيسية من المسارات والمفاهيم، أهمها استعادة تماسك واستقرار مؤسسات الدولة فى أسرع وقت ممكن، باعتبارها ستكون هى الأدوات الحتمية التى سيستخدمها لإنجاز مشروعه. ونظر إلى تلك المؤسسات بنظرة شمولية تضع كافة قدراتها لخدمة أهداف إجمالية، ولهذا جاء الدفع بإمكانيات القوات المسلحة لتكون حاضرة فى ملفين مثّلا أولوية زمنية فى إنجازهما، الأول هو ملف «مكافحة الإرهاب» والثانى ملف تشغيل «المشروعات الكبيرة». باعتبار الأول يمثل خطراً داهماً يمس الأمن القومى، ودخل على نمط تهديده الكثير من المتغيرات التى وصلت بإمكانياته للحد الذى يفوق قدرات وزارة الداخلية، وبتسارع قد لا ينتظر استرداد وتطوير الداخلية لإمكانياتها. والثانى أرجعه الرئيس السيسى لخطته العاجلة التى استهدفت استيعاب رقم «مليونين» من الأيدى العاملة والشركات المحلية والنشاطات المغذية داخل السوق، والنشاط الأكثر كثافة فى هذا المضمار، وهو قطاع التشييد والبناء الذى يظل هو القاطرة وصاحب الدور المنطقى فى إرساء وإنفاذ أى مشروع حضارى وتنموى متكامل.

هذا المحور رئيسى بالفعل، ولا يكفيه بالطبع سطور محدودة فى هذه المساحة، فضلاً عن غيره من المحاور التى استعرضها تفصيلياً «كشف الحساب» الختامى. وهو كمثال ليس وحيداً، المقصود من دلالة إلقاء الضوء عليه، هو الإقرار المنصف بأننا إزاء مشروع جاد، أخذ صاحبه نفسه بالجدية والتفانى فى تنفيذه على الأرض، وسلك فى سبيل الوصول إلى نتائجه كل الطرق التى ارتآها كفيلة بضمان طرح الحصاد، والمردود الإيجابى الذى يخدم الرؤية الشاملة له.

فخلال مشوار الرئيس السيسى «أربعة أعوام»، بدأ فيها من نقطة شديدة الحرج داخلياً وخارجياً على كافة الأصعدة، تسلّح بصلابته فى مواجهة التحديات، ولم تنقصه المرونة التى سمحت له بالتحرك على مجموعة من البدائل. فأثناء تلك الفترة الوجيزة قام بتغييرات متتالية للعديد من المناصب التنفيذية، عكست إيمانه بأنه لا يملك رفاهية الوقت، فلم يتردد فى إعادة ترتيب أوراق العمل والأشخاص باستمرار. وهذه تُحسب لصالح حيوية تجربته، التى مثلاً لم تقف عند حد منتقديها، بل خرجت لتبحث لها عن جمهورها الخاص، وقد وجدته فعلياً، وبدأت فى العامين الأخيرين تتحدث وتتواصل معه بلغته، فعاليات «مؤتمر الشباب» نموذجاً، وغيرها من الشرائح التى بدأت تؤمن بأنها معنية بهذا المشروع الذى يتشكل لصالحها ولصالح الوطن.

الذى لا يرى فى ذلك كله عملية سياسية متكاملة استطاعت أن تصوغ نفسها فى تلك الأعوام الأربعة لها مؤيدون صاروا هم الكتلة الأكبر اليوم فى الشارع المصرى يصدقونها ويؤمنون بشخص صانعها عبدالفتاح السيسى؛ هم فى الحقيقة لا يخصمون من شخص رئيس الولاية التى قاربت على الانتهاء بقدر ما يتغافلون عن تجربة مصرية تحمل رؤى وإنجازات حقيقية، كما ينتظرها فصول لاستكمالها. وهذا لا يمنع بالمطلق معارضتها، بل والإشارة إلى مواقع إخفاقاتها أو تباطؤها، أو بدائل أخرى يرى البعض أنها كانت هى الأجدر. ولذلك سيكون على هؤلاء إنتاج تلك المعارضة بتعاطٍ سياسى يحترمها قبل أن يحترم طرحه البديل الواجب بالأساس وجوده على ذات الساحة. وتلك المعادلة مقصود بها أيضاً مؤيدو الرئيس ومشروعه، فاحترام الخصوم والنأى عن التنابز اللفظى وإطلاق الاتهامات هنا وهناك، والتأكيد على ضرورة وجود مشهد سياسى منضبط، هم فى النهاية الذين سيحصدون مكاسبه باعتبارها من منتجات التجربة.

تلك سطور مبدئية واستباقية حتى قُبيل تشكُّل المشهد الانتخابى النهائى الذى أياً كانت ملامحه، فهو قد أوصلنا إلى محطة تستدعى التفاؤل بإمكانية انتقالنا إلى مساحة عمل سياسى وطنى يتقدم فيه مرشح للأغلبية بمشروع حقيقى لينافسه مرشحون محتملون من موقع المعارضة، لديهم ما يرونه إضافة أو طرقاً مغايرة لإدارة المشروع الحضارى للدولة. لو أُحسنت إدارة هذا المشهد على مرجعية الصالح الوطنى ستكون المحصلة باليقين إضافة ثمينة فى معادلة القوة الشاملة للدولة. وعبء تلك الإدارة السياسية والأخلاقية، فضلاً عن حرفيتها، يقع فى جانبه الأكبر على كاهل الأغلبية قبل المعارضة، وإن ظل كلاهما ملزماً فى أداءاته بالرهان على الغد الذى هو مستقبل الوطن والمواطن.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عبدالعظيم درويش

عبدالعظيم درويش

«ضربة معلم»..!

محمود الكردوسى

محمود الكردوسى

كرباج| «أمل».. و«حياة»

د. محمود خليل

د. محمود خليل

رأس الحسين (2)

عاجل