أهالى الأسمرات يرفعون شعار: وداعاً لـ«العشوائيات».. وأهلاً بـ«مصر الحلوة»

كتب: إمام أحمد

أهالى الأسمرات يرفعون شعار: وداعاً لـ«العشوائيات».. وأهلاً بـ«مصر الحلوة»

أهالى الأسمرات يرفعون شعار: وداعاً لـ«العشوائيات».. وأهلاً بـ«مصر الحلوة»

أرض فضاء واسعة، تملأها أطنان المخلفات والقمامة، لا تشهد أى مظهر من مظاهر الحياة قط، لم يكن أكثر الحالمين يتوقع أن يطرأ جديد على هذه الأرض التى مضت عليها سنوات طويلة دون أن يتغير حالها، لكنها فى ظرف سنة واحدة من العمل الجاد والشاق تحولت إلى «ملاذ آمن» لآلاف الأسر التى تنتظر فرصة للفرار من «حياة الموت» فى العشوائيات والمناطق الخطرة. وقبل ما يقرب من 20 شهراً، ذهب الرئيس عبدالفتاح السيسى ليفتتح المدينة الجديدة التى حملت شعار «تحيا مصر» فى لافتة كبيرة موجودة على ناصية كل شارع من شوارع الحى الجديد. لكن الحكاية ليست فقط فى أرض تقترب مساحتها من 200 فدان تحولت من «خرابة كبيرة» إلى «كومباوند سكنى» مصمم على أحدث المعايير الهندسية، ليضم 18 ألف وحدة سكنية «سوبر لوكس»، بل أهم من ذلك هم الناس أنفسهم الذين تحولت حياتهم من حال إلى حال، فهربوا من البيوت الصفيح والغرف المشتركة والمبانى الآيلة للسقوط ودوائر الجريمة والعنف إلى حياة آدمية وآمنة ومستقرة يتمتعون فيها بكل الخدمات الأساسية والترفيهية من منازل تم تسليمها «متشطبة ومفروشة» إلى مدارس وملاعب ومحال تجارية ومراكز صحية ووسائل نقل عام.

{long_qoute_1}

«نقلت للأسمرات من سنة ونص، حياتى كلها اتغيرت فى الفترة دى، وكان عندى بنت وولد، ربنا كرمنى بالتالت هنا، حاسس إنه مميز عن إخواته لأنه اتولد فى مكان نضيف مش عشوائيات»، قال حسن إبراهيم، الرجل الأربعينى، الذى تزوج قبل 9 أعوام فى حجرة صغيرة فى منشأة ناصر، وقضى هناك طيلة هذه الفترة، إلى أن انتقل للحى الجديد ضمن المرحلة الأولى «الأسمرات 1» التى تم افتتاحها يونيو 2016. تحول كبير حدث فى حياته منذ ذلك اليوم الذى لا ينساه، يحكى: «كنا خايفين وإحنا جايين هنا لأول مرة، كنا بنقول لبعض أنا ومراتى واخدينا يرمونا فى مكان مقطوع، لما دخلنا المدينة وطلعنا البيوت وشوفنا الشقق من جوه، ومشينا فى الشوارع بين العمارات ما بقناش مصدقين نفسنا»، ظل الشك يراود «إبراهيم» وزوجته قبل تسلم الوحدة السكنية: «كنا بنقول مش معقول، بصراحة اتعودنا على التصريحات الجميلة، وسمعنا كلام كتير فى أوقات سابقة، لكن لقينا نفسنا بنستلم وبندخل الشقة وبنقفل الباب علينا، وبنصحى الصبح نلاقى بيت ببوابة حديد وشارع مرصوف وجناين وملاعب، عمرنا ما كنا نتخيل إننا نعيش فى مكان زى ده».

منى، زوجة «إبراهيم»، سعيدة بالخروج من منشأة ناصر والانتقال إلى الأسمرات، تعتبر أن هذه النقلة فى حياتها هى أفضل ما حدث لها فى 30 سنة منذ ولادتها، تقول: «أنا اتولدت وكبرت واتجوزت فى بيئة صعبة، لا هواء نضيف ولا مياه نضيفة ولا أمان ولا خصوصية، الناس كانت عايشة لحم على بعضها، الكلمة اللى تتقال فى الأوضة دى تعرفها الأوضة اللى جنبها، لكن النهارده لا»، أكثر ما يسعدها فى هذا التحول الكبير هو مستقبل أولادها الذى أصبحت تطمئن عليه أكثر من أى وقت مضى، تضيف: «أولادى هيشوفوا أحسن من اللى أنا شوفتوا، الكبير خالد دخل مدرسة تحيا مصر، والوسطانى ياسين لسة السنة الجاية هيروح المدرسة، والأخير محمد عمره سنة واحدة»، تواصل حديثها عن مولودها الصغير قائلة: «جيت للحى، وهو فى بطنى واتولد هنا».

داخل «الأسمرات» رغم مرور ما يقرب من عامين، لا يزال كل شىء داخل يسير مثل عقارب الساعة، الأمن حاضر والنظافة موجودة والعمائر والشوارع تحتفظ بجمالها الذى ظهرت عليه لأول مرة عند افتتاحها، يرجع «كريم نورالدين» مساعد رئيس الحى، السبب فى ذلك إلى النجاح فى بناء علاقات قائمة على الثقة والتقدير المتبادل مع الأهالى، موضحاً: «عندما انتقل الناس إلى الأسمرات، شعروا باختلاف كبير فى طبيعة الحياة، كنا متوقعين هذا الأمر، وعملنا على التعاون مع السكان الجدد ومساعدتهم على التأقلم مع الحياة الجديدة واستئصال الماضى من الذاكرة، وأعتقد الآن بعد مرور كل هذه الأشهر وتضاعفت أعداد الأسر إلى هذا العدد الكبير، فإننا قد نجحنا فى المهمة»، يقول «كريم» إن الاهتمام الأكبر من قبل مسئولى الحى تركز على الأطفال والشباب باعتبارهم الشريحة الأوسع بين السكان، فضلاً عن كونهم مستقبل الحياة داخل الحى، يضيف: «تواصلنا مع الشباب والأطفال، وفتحنا ملاعب كرة القدم يومياً أمامهم، وشاركناهم أنشطة رياضية وترفيهية، وبمرور الوقت بدأوا يشعروا إن المكان ده بتاعهم وملكهم ويبادروا لحماية منشآت الحى والتعاون مع المسئولين وأفراد الأمن»، الشاب الثلاثينى اعتبر أن «الأسمرات» بمثابة نموذج فى النجاح يمكن أن يحتذى به فى مجالات مختلفة، قائلاً: «طبعاً نجحنا، وسعيد أننى جزء من منظومة النجاح، والفضل لا يعود إلى الدولة فقط أو المسئولين وحدهم، لكنه أيضاً يعود إلى الناس أنفسهم الذين تفاعلوا مع هذا التحول الكبير واستطاعوا فى أقل من عامين أن يتأقلموا مع الوضع الجديد، ويحافظوا عليه».

{long_qoute_2}

وانتقل إلى الأسمرات تباعاً ما يقرب من 10 آلاف أسرة من 7 مناطق عشوائية داخل القاهرة، هى: «الدويقة، منشأة ناصر، مثلث ماسبيرو، اسطبل عنتر، غرب مدينة نصر، عزبة خير الله، بطن البقرة»، وقال الرئيس عبدالفتاح السيسى مع افتتاحه الحى إن الهدف من هذا المشروع «توفير فرصة حياة حقيقية لمواطنين مصريين لم يحصلوا على حقهم فى الحياة، وتمكين أطفالهم من عيش حياة كريمة تليق بطفولتهم ومستقبلهم».

قبل ثلاث ساعات من غروب الشمس كان العشرات من صغار السن يتوزعون بين عدة ملاعب متجاورة، ويمارسون اللعبة الأكثر شعبية فى مصر بعد أن قسموا أنفسهم إلى مجموعة فرق، كان الحماس يملؤهم والفرحة تغمر وجوههم، يلعبون معاً، ويركضون وراء الكرة على نجيلة صناعية خضراء على بعد خطوات من العمارات التى يقيمون فيها، كل المشاهد من حولهم باتت مختلفة عن تلك المشاهد التى قضوا فيها جزءاً من أعمارهم فى مناطق الخطر والموت والعشوائيات التى وُلدوا ونشأوا فيها، «إبراهيم عواد»، طفل عمره 8 سنوات قضاها فى غرفة صغيرة داخل حارة ضيقة بمنطقة الدويقة، كانت الغرفة والحارة الغارقة بمياه الصرف الصحى هى مكان عيشه ولعبه وحياته كلها، لكنه حالياً يعيش فى شقة مكونة من غرفتين وحمام ومطبخ ومجهزة «سوبر لوكس»، ينطلق فى أوقات فراغه إلى الملعب الخماسى بصحبة بعض جيرانه ممن فى مثل سنه، ليلعبوا كرة القدم، يقول: «اللعب هنا أحسن من اللعب فى المكان القديم، فيه ملعب ومنطقة واسعة وبناخد راحتنا ومحدش بيزعق لنا، لكن هناك كانت الحارة ضيقة وفيه مجارى، والناس كانت بتتخانق معانا علشان صوتنا العالى»، بتلقائية يحكى الطفل الصغير ليقارن بين الماضى والحاضر، يحب كرة القدم ويشجع النادى الأهلى ويتمنى أن يصبح لاعباً يرتدى القميص الأحمر: «أنا نفسى أبقى زى محمد صلاح، لأنه أحسن لاعب فى مصر، وعايز ألعب فى الأهلى، لأنى حريف وبجيب أجوان فى كل أصحابى»، يقول بعض أصدقائه إنه أكثرهم مهارة، ينطق أحدهم: «هيما أحرف واحد هنا»، ليأخذ الكرة وينفذ مجموعة مهارات استعراضية منفرداً، ثم يتوقف ويمسك بها قائلاً: «مش عايز أمشى من هنا، أنا مبسوط، وفيه ملاعب كبيرة، لكن الجبل -يقصد محل سكنه القديم بالدويقة- مكانش فيه ملاعب، ولا مكان نجرى فيه براحتنا».

 

النقل الجماعى يصل إلى «الأسمرات» ويخدم الآلاف من المواطنين


مواضيع متعلقة