«لجنة الأشقياء» 2013

«لجنة الأشقياء» فى التاريخ المصرى الحديث، هو -كما يعلم الكثيرون بالطبع- التعبير الذى أصبح شهيراً للغاية الذى أطلقه الزعيم سعد زغلول على اللجنة التى كلفت بوضع الدستور المصرى عقب استقلال مصر وفقاً لتصريح 28 فبراير 1922، وقد شكل هذه اللجنة رئيس وزراء مصر فى ذلك الوقت، عبدالخالق ثروت باشا فى أبريل من ذلك العام من ثلاثين عضواً، برئاسة حسين رشدى باشا. غير أن سعد زغلول -الذى كان منفياً فى ذلك الوقت- رفض هذه اللجنة، ووصفها بتلك الصفة «الأشقياء»، لأنه كان يعتقد أنه لا بد أن تضع دستور مصر المستقلة جمعية مستقلة تأسيسية تختارها الأمة، وليس لجنة تشكلها الحكومة! ومع ذلك، فليس هناك شك فى أن الدستور الذى أخرجته «لجنة الأشقياء» وصدر بمرسوم ملكى فى أبريل 1923 كان واحداً من أفضل الدساتير المصرية، وجرت وفقاً له انتخابات سبتمبر 1923 التى أتت بزعيم الأمة، سعد زغلول رئيساً للوزراء! غير أن لجنة «الأشقياء» الجديدة التى أعنيها هنا، هى تلك اللجنة التى صدر بها قرار رئيس الجمهورية المؤقت، قبل أيام مكونة من خمسين عضواً (وليس ثلاثين، مثل لجنة دستور 1923) لوضع دستور مصر الجديد. غير أن وصفى للجنة الخمسين الحالية بأنها لجنة الأشقياء، لا يعود إلى أنها لجنة مشكلة من الحكومة (وهو ما أغضب سعد زغلول!) فتلك فى اعتقادى مسألة لا تشكل عيباً أو نقيصة فى ذاتها، طالما أحسن تشكيل اللجنة، ولكن «شقاء» اللجنة يعود فى نظرى لنواحى قصور جسيمة تتسم بها: - إن أول ما لفت نظرنا -أقصد نحن ممثلى الأحزاب الليبرالية- هو الخلل الجسيم فى تمثيل ذلك التيار، فوفقاً للقواعد التى وضعتها رئاسة الجمهورية، يتم اختيار مرشحين اثنين من التيار «الليبرالى» بالتوافق بينهما! غير أن ذلك لم يحدث على الإطلاق! وإذا كان د. السيد البدوى يمثل حزب الوفد «الليبرالى»، فإن الممثل الآخر -د. محمد أبوالغار- لا علاقة له بالتيار الليبرالى، فالدكتور أبوالغار هو رئيس للحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى الذى هو بحكم مبادئه وأفكاره حزب اشتراكى ديمقراطى، بل لقد اجتهد د. أبوالغار ونجح فى الحصول لحزبه على العضوية فى «الاشتراكية الدولية»، أى المنظمة الدولية التى تضم كافة الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية فى العالم، وهذا إنجاز طيب يحسب له بالطبع، ولكن «الاشتراكية الديمقراطية» شىء، و«الليبرالية» شىء مختلف تماماً، إلا إذا كان من بيدهم القرار يعتبرون أن كل من هو ليس إسلامياً، فهو «ليبرالى»؟! سواء كان ليبرالياً أو اشتراكياً أو شيوعياً؟! وتلك سقطة كبيرة! الأحزاب الليبرالية فى مصر تضم -يا سادة- حزب الجبهة الديمقراطية وحزب المصريين الأحرار (وحزب الغد) وهى كلها عضوة فى الليبرالية الدولية، وهى ليبرالية وفقاً لمواثيقها ومبادئها وممارساتها! وفق ذلك، فإن من حقى وواجبى أن أدافع بالذات عن تمثيل حزب «الجبهة الديمقراطية» الذى أنشئ فى عام 2007، أى فى ظل أقسى سنوات سطوة الحزب الوطنى قبل الثورة، ولعب الدور الأساسى فى التمهيد لثورة 25 يناير وكان الحزب الذى قاد مقاطعة انتخابات 2010 وهو الحزب الذى احتضن منذ اليوم الأول اجتماعات الجمعية الوطنية للتغيير، والتى كانت تعتبر مقرات الحزب فى كافة أنحاء الجمهورية مقرات لها! وكان هو الحزب الذى رحب بموقف الدكتور البرادعى الرافض لاستبداد النظام السابق ولمخطط التوريث منذ عام 2009، وكان هو الحزب الذى استقبل د. البرادعى لدى وصوله إلى مصر، ثم الأهم من ذلك كله، أنه الحزب الذى تربى فيه الغالبية العظمى من شباب مصر الذين قادوا ثورة 25 يناير، والذين ينتشرون الآن على رأس أهم الأحزاب المصرية بلا استثناء! فضلاً عن أن بعض مؤسسى الحزب هم الذين قادوا العمل الوطنى بعد الثورة وفى مقدمتهم د. يحيى الجمل، ود. حازم الببلاوى، ود. على السلمى، وأ. سكينة فؤاد! - الخطأ الجسيم الثانى فى لجنة الأشقياء 2013 (لجنة الخمسين) هو للأسف تكرار الخطأ الشائع والمشين فى تمثيل المسيحيين أو الأقباط! فيبدو أن الذين شكلوا اللجنة اعتبروا أن الممثلين الثلاثة للكنائس المصرية (الأرثوذكسية، والكاثوليكية، والإنجيلية) هم ممثلو المسيحيين (!!) بدليل أن اللجنة لا يوجد بها قبطى واحد سوى د. مجدى يعقوب! ألم يكن ممكناً التفاهم مع ممثلى الجبهات المختلفة على مراعاة ذلك الأمر على الأقل لوضع تقاليد جديدة فى تمثيل القوى الاجتماعية فى عهد ثورة ما بعد 25 يناير، و30 يونيو؟ وإذا كان ذلك متعذراً.. ألم يكن من الممكن (كما كان يحدث من قبل فى انتخابات البرلمان المصرى) أن يكون الجانب الكبير من المختارين من الشخصيات العامة من «المسيحيين» لسد ذلك النقص؟ أعتقد أن ذلك كان ممكناً، وبسهولة، وكان سيمثل تطوراً نوعياً عادلاً ومطلوباً.. ولكن ذلك لم يحدث للأسف الشديد! - أما الخطأ الجسيم الثالث، فيتعلق كالعادة بتمثيل «المرأة»! فمن بين الأعضاء الخمسين توجد خمس سيدات، أى 10% من اللجنة، وهى نفس الممارسات السابقة على الثورة! إن إحدى الحقائق الأساسية التى أسفرت عنها ثورة 25 يناير 2011، وأكدتها ثورة 30 يونيو هو الدور الأساسى والكاسح للمرأة المصرية، التى حضرت بكل قوة فى قلب المظاهرات الحاشدة، بل وكثيراً جداً ما كانت هتافاتها العالية هى القائدة للمسيرات والاحتجاجات، ولقد آن الأوان -بشكل لا لبس فيها- إلى المراجعة الجذرية لتلك التقاليد والممارسات المستبعدة للمرأة المصرية أو المهمشة لها، وأن نمتلك الشجاعة والإرادة لتصحيح تلك الأوضاع على نحو جذرى، يتناسب مع المكانة الفعلية للمرأة المصرية العاملة والمكافحة، والتى تتجاوز بكثير، الوظائف والمهام التقليدية التى طالما حاولت القوى الرجعية حصرها فى إطارها. وفى هذا السياق، من المهم أيضاً أن تكون اختيارات «المرأة» ممثلة فعلياً لإرادة ملايين النساء فى مصر، ومعبرة بحق عن المرأة فيما بعد ثورتى يناير، ويونيو! ولقد تردد كثير من الانتقادات -من جانب قيادات وشخصيات نسائية هامة- لممثلى المرأة فى لجنة الخمسين، أعتقد أنه من المهم الالتفات إليها ووضعها أيضاً فى الاعتبار. تلك ملاحظاتى على «لجنة الأشقياء 2013».. فهل سوف تفاجئنا -مع ذلك، ومثلما فعلت «أشقياء 1923»- بدستور جيد، ويعبر عن روح ثورة مصر فى يناير 2011، ويونيو 2013؟ ذلك أمل له بالقطع ما يبرره!