أنت البعض ونحن الكل

فى سنة 1949، بالتحديد يوم 24 مايو كتب الفنان الكبير نجيب الريحانى رثاء فى نفسه قبيل وفاته بخمسة عشر يوما وكان كاﻵتي:

"مات نجيب.. مات الرجل الذى اشتكى منه طوب اﻷرض وطوب السماء.. إن كان للسماء طوبا.. مات الرجل الذى لا يعجبه العجب ولا الصيام فى رجب.. مات الرجل الذى لم يعرف إلا الصراحة فى زمن الكذب ولم يعرف إلا البحبوحة فى زمن الشحمات.. نجيب فى ستين ألف سلامة".

ولقب الريحانى بالضاحك الباكى وقد تميزت أعماله بالنقد الساخر للمجتمع وشهد له الجميع بالعبقرية، فقدرته على تجسيد اﻷدوار الكوميدية بنفس براعته فى تجسيد اﻷدوار التراجيدية وانتزاع العابرات من مشاهديه، ومن الواضح أن حالة من الشجن قد تملكته حتى إنه بات رافضا للحياة مستكثرا نفسه بأخلاقه السامية عليها، ولم يكن يعلم رحمه الله أنه سوف يأتى زمنا يضرب فيه المثل برقى زمنه وسمو مجتمعه الذى رفضه وهاجاه، فمن الجلى فى السنوات الأخيرة اجتياح المجتمع موجة من الحنين للماضى.

فعلى مستوى اﻷفراد لا يخلو حديث بالشأن العام واﻷوضاع الاقتصادية إلا وتعقد المقارنات بين الماضى والحاضر، وبالطبع يتفوق الماضى ويلعن الحاضر، وعلى الصعيد اﻹعلامى أفردت برامج تليفزيونية وإذاعية خصيصا لهذا الغرض، يتلخص محتواها عادة فى العزف على نغمة رحم الله زمنا كانت العملة المحلية تقدر بخمسة جنيهات ذهب مع العلم أن أغلب الشعب وقتها لم يكن يمتلك جنيها واحدا.. فضلا عن مواقع التواصل الاجتماعى التى اكتظت بصور لشوارع وميادين القاهرة فترة الأربعينات والخمسينيات تبدو فيها الشوارع هادئة ونظيفة، رغم أن باقى المدن كانت وقتها بدائية المعمار، عديمة الخدمات، الحنين للماضى شعور لا بأس به أما كره الحاضر أمر يدعو إلى القلق، خاصة إن أقترن بعدم الشعور بالمسؤلية، فمثلا لم يحدث وأن صادفت سائق تاكسى إلا ويسترسل دون أى داعى فى الحديث عن الازدحام وغلاء الأسعار وانحدار الأخلاق.. ثم يتحسر على ماضى جميل هنأ فيه بالقليل.

كل هذا يرويه إما كاسر لإشارة مرور أو سائر فى الاتجاه العكسى، أو مخرجا رأسه من زجاج السيارة ليسب أحدهم ليتلقى نصيبه.

المجتمع هو نحن والمستقبل هم أبنائنا.. الوطن ليس مساحة أرض وقوانين وضعت من عدم بالأمس أسئت فهم دورك واليوم تلوم الجميع، وغدا يلومك أحدهم، قادة الغد هم أطفالنا اليوم ومفسدى اﻷرض أيضا هم اطفالنا اليوم، لاتلعن الزمن أو تهجو المجتمع قبل أن تعى دورك فيه فأنت البعض ونحن الكل لم يخلق الله أحد عبثا ولا ضيفا على طاولة الحياة يأكل ما يوضع له بل الجميع طهاة ذات المطبخ، والكل آكل صنع يديه.