انقسم الشعب المصرى بعد ثورة/انقلاب/انقلاب شعبى «٣٠/ ٦» إلى ثلاث طوائف ليزيد هذا الانقسام من تعقيد هذه المرحلة شديدة الخطورة وبالغة الحساسية من تاريخ الوطن ويعمق من حالة الاستقطاب. وأصبح لهذا الانقسام دلائل جغرافية تعكس الانقسام الفكرى والصراع السياسى الذى تفشى فى الشوارع والنفوس، حيث تمركزت كل طائفة فى أحد الميادين الكبرى فى البداية ليكون الميدان مركزا لحشد أنصارها، ثم أصبحت تلك الميادين رمزاً وشعاراً لتلك الطوائف المتناحرة. فبعد أكثر من سنتين كان فيهما ميدان التحرير بمثابة كعبة الثوار، أصبح لدينا فى مصر ثلاثة ميادين تتنافس على جذب أكبر عدد من المتظاهرين وهم على التوالى: رابعة، والتحرير، وسفنكس الشهير بالميدان الثالث.. لم يعد الوطن يستطيع تحمل هذا الانقسام الحاد الذى أهدر الدماء وفرق بين أبناء الأسرة الواحدة وأصبح من الضرورى أن يراجع كل ميدان مواقفه وأن يظهر بعض الليونة فى مطالبه وأن يتحمل مسئوليته الجنائية والأخلاقية عن كل الدماء التى سالت والتى ستسيل إذا استمرت هذه الخصومة الفاجرة، والمدمرة أيضاً.
بالنسبة لميدان رابعة الذى أصبح قبلة لجماعة الإخوان المسلمين قبل أن يكتب عليهم الشتات بعد فض اعتصامهم بالقوة، لا بد لشبابه الذين يناضلون ضد الانقلاب أن يعلموا أن سياسات الرئيس وليس المؤامرات الكونية هى التى أدت إلى امتعاض الملايين ودفعتهم إلى التظاهر ضده بأعداد كبيرة (فى الحقيقة لا يغير فى الأمر شيئا إذا كانوا ألفا أو ٣٣ مليونا) مما أدى إلى عودة الجيش إلى الحياة السياسية بعد أن رجع إلى الصفوف الخلفية منذ أن تسلم المشير السابق قلادة النيل من الرئيس المعزول. فبدلا من محاربة الانقلاب ومحاولة إرجاع الزمن إلى ما قبله، لا بد أن يقوم شباب الإخوان بانقلاب ضرورى داخل الجماعة ليطيحوا بقيادتهم التى دفعتهم إلى حافة الهاوية، ويقوموا بتمثيل الجماعة خلال الفترة الانتقالية لحقن الدماء وإتمام المصالحة الوطنية العادلة التى تستطيع أن تحول الجماعة إلى سهم فى كنانة الوطن بدلا من أن تكون سهما موجها إلى صدره. ففى تركيا التى طالما تغنى مكتب الإرشاد بحزبها الحاكم، عندما ضيق الجيش (المنوط بحماية علمانية الدولة) الخناق على نجم الدين أربكان رئيس الوزراء والأب الروحى للإسلام السياسى فى تركيا، بعد أن قام حزب الرفاه (الطريق القويم) الفائز بأكثرية البرلمان بالانغماس فى صراعات وهمية حول الهوية وانشغلوا بتأكيد الهوية الإسلامية للدولة التى لا تحتاج إلى تأكيد، بدلا من الاهتمام بمعالجة المشاكل الاقتصادية العاجلة، قام نجم الدين بتقديم استقالته من منصبه الشرعى لتجنب الفتنة وحقن الدماء، فقد علم مبكرا أن خسارة جولة أفضل كثيراً من خسارة حرب. وبالرغم من حل حزب الرفاه، فاز حزب العدالة والتنمية الذى كان معظم أعضائه من شباب حزب الرفاه المنحل بأكثرية البرلمان مجددا تحت قيادة أردوغان فى عام ٢٠٠٢، بعد مرور أقل من خمسة أعوام على انقلاب الجيش الناعم فى ١٩٩٧ وما زال يقود تركيا حتى يومنا هذا بعد أن تخلى عن خطابه الدينى وركز جهوده على تحقيق نهضة اقتصادية تنهض بالبلاد.
أما بالنسبة لما يسمى بالميدان الثالث الذى يتهمه «أبناء السيسى» بتشتيت الصف الثورى ويلوم عليه «أبناء بديع» بالتخلى عن النضال ضد العسكر، فلا بد أن يتخلوا عن الشعارات السلبية المنفرة لقطاعات عديدة من الشعب والشعارات الخاوية التى تفتقد إلى رؤية واضحة ولا تطرح بديلا للواقع المؤلم رغم نبل معانيها. وبالنسبة للجيش فلا بد أن يعلم أنه أمام شعب متقلب هتف لـ«مرسى» ثم عاد ليسقطه فى نفس الميدان، وأن التأييد الشعبى غير مضمون، فليتعظ اللاحقون ممن سبقوهم.
نرجع واحد؟ ليه لأ.