صدمتنى دعوات خرجت من البعض، وللأسف منهم بعض المحسوبين على شباب الثورة، بإلغاء ذكرى ثورة يوليو تحت دعوى أنها بداية الحكم العسكرى الذى استمر فى مصر حتى قيام ثورة يناير، خطورة هذه الدعوة ليست فى ضحالة فكر من أطلقها ورددها وتحمس لها وليست فى قصر نظرهم ومحدودية رؤيتهم وقراءتهم لفترة من أهم فترات التاريخ المصرى الحديث، لكن الخطورة الأكبر، من وجهة نظرى، هى فتح الباب للبعض للتجرؤ على تاريخ مصر، أياً كانت سلبياته وإيجابياته، ليبيح لنفسه حذف أو إلغاء جزء من تاريخ مصر لا يتناسب مع رغباته أو وجهات نظره.
إن النظرة القاصرة للبعض عن ثورة يوليو تحتاج لإعادة نظر لقراءة هذه الفترة من جديد وتبيان منجزاتها وسلبياتها بشكل موضوعى يتناول محاور هذه الفترة بشكل متوازن يجمع بين الجانب الاجتماعى والثقافى والسياسى ليقدم لنا صورة متوازنة لا يغلب فيها جانب على جانب.
نعم لم يُكتب تاريخ مصر بشكل منصف، وإنما كُتب بشكل يخفى عورات الأنظمة السابقة، وما زالت آلاف الوثائق التاريخية سرية وقابعة فى أماكن سيادية لم يُفصح عنها حتى الآن، وهذا يحتاج لجهد كبير من الباحثين التاريخيين ليعيدوا كتابة تاريخ مصر على أسس علمية متجردة عن الانتماء الحزبى أو الفكرى والأيديولوجى.
لا نريد لتاريخ مصر طبعات مختلفة كل نسخة فيها يكتبها تيار سياسى معين من وجهة نظره ليشوه بها خصمه السياسى، فليحلل التاريخ كل شخص كما يريد، ولكن الوقائع التاريخية المجردة نريدها كما هى بلا تزييف ولا تلفيق وافتراء.
فتحت الثورة باب الحرية ومنها حرية تداول المعلومات، هناك آلاف الشرفاء الذين تم تحجيم أدوارهم وتجاهلهم تماماً بسبب آراء حرة خالفوا فيها النظام الحاكم على مر الأنظمة المتعاقبة ولم يعرف عنهم الناس شيئاً وهناك مثلهم ممن باعوا مصلحة الوطن لمصلحتهم الشخصية ورغباتهم وكلا الطرفين لا بد أن يعلمهم الناس.
سيظل تاريخنا يحتوى ما نحبه وما نكرهه، ولكن فكرة محو أجزاء من التاريخ؛ لأنها لا تروقنا، هى جريمة فى حق الوطن، ويسئ للثورة كل من يريد أن يلغى التاريخ الذى لا يعجبه، فالوطن أكبر من أهوائنا ووجهات نظرنا، ونحن زائلون والوطن باقٍ، وهناك عشرات الأجيال التى ستعقبنا ولها كل الحق فى أن تعرف ما الذى حدث.
حتى نحن ومواقفنا وكلماتنا ستصبح مادة للتاريخ حين تمر السنوات ويسجل التاريخ هذه الفترة من عمر الوطن ولا يمكن أن نكتب التاريخ طبقاً لما يناسب أهواءنا، فكل شخص وكل تيار له ما له وعليه ما عليه.
ولشباب الثورة الذين يرون عكس هذه الرؤية أقول لهم لا تدخلوا فى حالة صدام واستعداء مع غالبية الشعب المصرى الذى تمثل له ثورة يوليو جزءاً رئيسياً من وعيه الوطنى وحسه الإنسانى، كفانا معارك خاسرة نخوضها ونؤلب فيها الناس على ثورتنا ولعل معركة انتخابات الرئاسة قد بينت كثيراً مما وصلنا إليه وما وصلت إليه ثورتنا ليس بأيدى خصومها فقط ولكن بما جنته أيدينا أيضاً.
فلنتعلم من أخطاء الماضى لنتفادها ولنحذر أن توصلنا الخصومة السياسية إلى الجناية على تاريخ الوطن.. فلن يسامحنا أحد حينها.