خالد عكاشة خالد عكاشة الولايات المتحدة.. والبحر العربى المتخيل (1)
الإثنين 05-03-2018 | PM 10:00

«إن المنطقة عندكم؛ تعوم على بحرين: بحر من البترول، وبحر من الدين»، مقولة لوزير الخارجية الأمريكى الشهير «جون فوستر دالاس»، جاءت فى معرض حديثه مع محمد حسنين هيكل، كتلخيص لرؤية أمريكية كانت تستعد حينذاك، لترتيب قواعد جديدة للمنطقة التى يشير إليها الوزير، جرى ذلك منذ ما يقارب النصف قرن، (نوفمبر 1952 يناير 1953) أثناء معركة الرئاسة الأمريكية، التى فاز فيها الجنرال أيزنهاور بولايته الأولى.

فى هذا التاريخ المشار إليه، كان الصحفى المصرى الأنشط «حينها» الأستاذ هيكل، بعد شهور من ثورة يوليو 1952، قد طار إلى الولايات المتحدة لتغطية وحضور انتخابات الرئاسة الاستثنائية، التى كانت تجرى على مسافة خطوات زمنية قصيرة من انتهاء الحرب العالمية الثانية، والحقيقة فيما يخص تلك الاستثنائية أنها لم تكن قاصرة على سباق رئاسى أمريكى، حيث تكشف سريعاً أنها تمتد لتشمل المشهد العالمى برمته، فقد تحدد لاحقاً أن أبطال هذا المشهد كانوا بصدد طى عصر القوى التى خاضت الحرب العالمية الثانية، للبدء فى دخول عصر جديد، أطلت إرهاصاته فى فصول الحرب الأخيرة، قبل أن يصير قيد التشكل فى الأروقة الأمريكية، التى طرقها هيكل بشغف المعرفة.

ظلت تلك الزيارة الطويلة شهرين حاضرة بقوة فى معظم كتابات هيكل، فوفق الاعتبارات السالفة، شكلت لديه مرجعية ثابتة لتقييم وقراءة العديد من المشاهد، التى توالت لاحقاً، هذا دفعه لتقديم اعتذار لتكرار العودة إليها، بعد عقود طويلة، فى كتابه «الزمن الأمريكى من نيويورك إلى كابول»، وهو تجميع لفصول كتبها ما بين خريف 2001 وشتاء 2002، هذا الكتاب الذى كان يفتش فى المكان الصحيح عن بذور ولادة «11 سبتمبر»، حاملاً الكثير مما يمكن أن يلفت انتباه العائدين لقراءته، فقد عدت إليه لجانب آخر له علاقة بعنوان «الزمن الأمريكى»، الذى وصفه فى المقدمة: «الإمبراطورية الأمريكية؛ أصبحت ظاهرة غير مسبوقة فى قصة الإنسانية، فهى حاضرة فى كل قارة من قارات الدنيا، ضاغطة على كل إقليم، محشورة فى كل بلد، مندسة فى كل بيت». «جمال عبدالناصر» لم يكن حينها، قد صار رئيساً للجمهورية بعد، هو من كان وراء الدفع بهيكل لتلك الزيارة، مستشرفاً ما سبق الحديث بشأنه من فصل عالمى جديد كان على أهبة الانطلاق، جاء الترتيب بالتوازى مع سفر أول بعثة عسكرية مبكرة كانت فى الطريق للولايات المتحدة، برئاسة «على صبرى» المسئول العسكرى بمكتب ناصر، ظلت تلك إحدى مهارات الرئيس عبدالناصر الاستراتيجية فى التواصل والقراءة المدققة، لتفاصيل خرائط السياسة العالمية، من خلال أكثر من قناة اتصال، وعبر اللقاءات المباشرة، التى يمكنها استنطاق أطرافها، وهم الممسكون الحقيقيون بأقلام رسم الخرائط، التى كانت مصر هى الأخرى تستعد لوضع أقدامها عليها بعد ثورة يوليو.

عاد هيكل لناصر بمجموعة من الحوارات، والمقولات الحاكمة، من فم وعقول أصحابها، وهذا ما دفعنى تحديداً للعودة للكتاب، سنستعرض لمحات سريعة مما جاء فيه، من دون تعليق سوى أن ظرفها التاريخى، للولايات المتحدة ومصر أيضاً «يناير 1953»، قادر وحده على بعث الدلالات المطلوب الوقوف عليها.

أول ملحوظة أوردها هيكل عن مقابلته مع «الجنرال/ أولمستيد»، مدير برامج المساعدات العسكرية الأمريكية، إن الولايات المتحدة لديها مشروع «حلف عسكرى» يقوم فى المنطقة، بعد جلاء القوات الإمبراطورية منها، أعد له خطة أمريكية لإقامة «حلف إسلامى» يملأ فراغ المنطقة، ثم يكون منه عنصر جذب لعشرات الملايين من المسلمين، القابعين وراء «الستار الحديدى» داخل الاتحاد السوفيتى والصين. فتح «أولمستيد» بضغطة زر خريطة كبيرة للعالم تحتل حائطاً كاملاً أمام هيكل، وأمسك بمؤشر وجهه نحو غرب القارة الأوروبية وقال: «هنا حلف الأطلنطى يصد الاتحاد السوفيتى، ويحصره فى الشرق»، ثم اتجه به إلى قارة آسيا، وقال: «وهنا حلف جنوب شرق آسيا، يصد الاتحاد السوفيتى والصين»، ثم عاد الجنرال بالمؤشر إلى وسط الخريطة الشرق الأوسط، قائلاً: «هذه المنطقة بين القارات فراغ، برغم أنها الأهم»، عاد الجنرال إلى مقعده، قبل أن يحدث هيكل ببطء وتركيز ليسمح له بتدبر ما يسمع، قائلاً: «نحن نعرف أنك صديق للكولونيل ناصر، وهو الرجل القوى فى النظام المصرى الجديد، وإذا كنت تريد أن تخدم بلدك وتساعد صديقك، فقل له أن يتذكر دروسه فى الاستراتيجية، فأمن بلاده ليس معلقاً بصفقة سلاح معنا، إنما معلق بانضمام مصر إلى حلف عسكرى يملأ فراغ المنطقة»، استطرد «أولمستيد» قائلاً: «تصور لو أن حلفاً إسلامياً قام على ثلاث ركائز، مصر؛ وهى أعرق بلد إسلامى بالتجربة التاريخية، وتركيا؛ وهى أقوى بلد إسلامى بجيش حسن التدريب والتسليح، وباكستان؛ وهى أكبر البلاد الإسلامية من ناحية التعداد»، اعتبر الجنرال الأمريكى بحسب وصفه أن هذا الحلف يستطيع أن يجذب إليه بقية دول المنطقة، من أفغانستان حتى المغرب، باعتباره لن يكون عسكرياً فقط بل سيشكل «الفكر» قطب الجذب الثانى، ليصير فى النهاية بمثابة «مغناطيس» هائل قادر على خلخلة أى تحالفات مقابلة.

مباشرة بعد اللقاء السابق، كان وزير الخارجية الأمريكى «دالاس» يستعد لزيارة الشرق الأوسط للمرة الأولى، رتب له على عجل لقاء سريع مع هيكل، كى يسمع الوزير عن أحوال المنطقة قبل أن يعاينها على الطبيعة، وصف هيكل اللقاء بالمختصر، «عشرون دقيقة» من وقت الوزير الثمين، أكدت اهتمام الإدارة بالحالة الإسلامية للمنطقة، باعتبارها المحدد الرئيسى لهويتها ومستقبلها وفق تقديرهم، عندما حاول هيكل أن يحدث الوزير عن الهوية القومية، والمحتوى الحضارى للمنطقة، وجده غير جاهز لحديث من هذا النوع، حيث كان يشغله شىء آخر، تسبب فى أن تفلت منه «الجملة» الواردة بصدر المقال!

تعليقات الفيس بوك

عاجل