«مرتضى» يخلع ملابس النظام العام!

نبيل عمر

نبيل عمر

كاتب صحفي

قطعاً لو كنت مكان الأستاذ مرتضى منصور لفعلت ما فعل تماماً، فالأستاذ مرتضى خلع ملابس النظام العام فى الشارع، وكشف لنا سوءاته، وأوقف المجتمع كله أمام المرآة ليرى نفسه عارياً بلا كلام كبير ولا عمليات تجميل، لنعرف من نحن وكيف تُدار حياتنا، ومن لا يصدق فليراجع أزمة حساب نادى الزمالك البنكى الموضوع فى حساب خاص باسم عضو مجلس إدارة، ونتائج انتخابات النادى، ناهيك عن طوفان تصريحات الأستاذ مرتضى التى لا تتوقف.

والنظام هو أداة المجتمع لإدارة موارده، بشراً وثروة، من أول الحب إلى الحرب.

والأزمة ليست رياضية على الإطلاق، ولا دخول جهاز الكسب غير المشروع إلى نادٍ فى ثقل الزمالك وشعبيته الكبيرة، ولا حجز على حساباته البنكية، ولا قضايا فى المحاكم، ولا نائب رئيس مجلس إدارة منتخب غير قادر على عبور بوابة النادى، ولا وزارة شباب تدخلت بعد أن نفد صبرها وشالت على كاهلها كل «الصفات القبيحة»، وظلت تتفرج وتعمل نفسها «مش واخدة بالها»..

هى أزمة مجتمعية جوهرية حتى لو بُنيت على كل ذلك، ودخول جهاز الكسب غير المشروع مجرد «عنصر محفز» لإتمام عملية التفاعل النهائية، كما نقول فى علم الكيمياء، فمن المستحيل فى مجتمع صحيح ودولة عفية لها نظام عام جيد أن يتجاهل أحد أنديتها الكبيرة تجميد حسابه البنكى عامين دون حل ذلك حلاً جذرياً، ويتحايل على الموقف بفتح حساب خاص لمال عام باسم عضو مجلس إدارة، بالتأكيد لا نشكك فى ذمة مجلس إدارة الزمالك ولا نجرؤ، فكلهم شخصيات مرموقة وشهيرة ويستحيل أن نشك مجرد شك طارئ فى أى منهم. وحكاية الحساب البنكى الخاص لا تدين أحداً مالياً فى حد ذاتها، وإنما تعرّى طريقة تفكير ونظام إدارة!

ثانياً: هل يُعقل أن ينجح مرشح فى انتخابات يشرف عليها القضاء وتعلن الدولة نتيجتها ولا يستطيع أن يدخل إلى النادى لشهور طويلة، لمجرد أن رئيس النادى أمر بذلك وله وجهة نظر لم تتحول إلى حكم قضائى بات؟

فى الحقيقة، علينا أن نرفع القبعة للأستاذ مرتضى منصور، ونرسل له قبلاتنا وتحياتنا، فالرجل داس على زناد مسدسه، وأطلق رصاصات حارقة كاشفة لنرى حقيقتنا، ربما لم يقصد، ربما يستعرض قوته، لكنه فى النهاية جرجرنا إلى مرآة الواقع المعوج، حتى لو لم تعجبنا صورتنا.

كان الرئيس عبدالفتاح السيسى قد قال عرضاً ذات مرة إننا «شبه دولة».

وقتها لم نقبل كلامه، وتكدّرت ملامحنا، كيف نكون شبه دولة بعد أن أسسنا أول دولة فى التاريخ منذ أكثر من سبعة آلاف عام؟ نعم، نحن الأحفاد الفاسدون الذين أضاعوا ميراث أجدادهم، وبعد أن كانوا أول حضارة إنسانية بالمفهوم العلمى، صرنا نحيا على هامش الحضارة الحديثة أو فى عشوائياتها البعيدة.

والحضارة الحديثة نظام عام، وليست مجرد عمليات إنتاج سلع عصرية من الكمبيوتر إلى أدوات المطبخ، فكل ما تنتجه الحضارة من سلع ومستوى معيشة وفنون وثقافة، هى توابع لأصل، هى نواتج ماكينة عملاقة تعمل بانضباط وكفاءة اسمها النظام العام، فلا إنتاج ولا عمل جاد ولا تحضر ولا مؤسسات قوية، ولا تعليم جيد ولا اقتصاد ينمو ولا بشر يرتقون معرفياً وفنياً دون نظام عام كفء.

والأستاذ مرتضى «شلح» النظام العام، فرأينا مدى ضعفه وتهافته وعلله.

وقد فعل ذلك من قبل مراراً ولم ننتبه، فقرر أن يمسكنا من أذننا ويلوى رقبتنا ويدوس على أنفنا لعلنا نفيق.

وقال بالفم المليان: لو فيه «دكر» يورّينا نفسه.

وهو تعبير تشخيصى فاعل، أشبه بأشعة مقطعية بالصبغة على صحة نظامنا، لأن من المفروض أن القرارات لا هى «دكر» ولا «نتاية»، لا عنترية ولا استكانة، وإنما قانون خاضع لسلطة تفسير من المحاكم لو اعترض عليه متضرر أو صاحب مصلحة ضائعة.

ويبدو أن الأستاذ مرتضى، وهو محام ودارس القانون، يعرف أن القانون فى مصر عليل، مصاب بتصلب شرايين وتآكل فى المفاصل، لا يتحرك من مكانه إلا للضرورة بقوة أصحاب الضرورة، وبالتالى لو اتخذ قراراً لا يتفق وصحيح القانون لن يوجد «دكر» يقتص للقانون العليل.

والأستاذ مرتضى جرّب مرة ومرتين وخمسين مرة ونجح فى كل تجاربه تقريباً، حتى فى الجمعية العمومية الطارئة التى طلب عقدها لتمرير لائحة قانون الرياضة، لم يلتزم فيها باللوائح والقانون، وجاء مندوب وزارة الشباب والرياضة صاغراً يتابع إجراءاتها، وهو يعلم علم اليقين أن عقد مثل هذه الجمعية يستلزم الإعلان عنها قبل خمسة عشر يوماً لا أربعة أيام كما حدث، لا تهم اللوائح، فالنظام العام عاطل من الكفاءة.. وهو النظام الذى أنتج لنا أزمات مستفحلة فى التعليم والإسكان العشوائى والمرور وتلوث البيئة والعلاج والدعم الذى لا يصل إلى مستحقيه حتى وصلنا ذات مرة إلى ضربة جزاء صحيحة غير محتسبة للزمالك صنعت حالة غوغائية فى المجتمع.. وأخيراً الحساب المُجمد.

والحساب المجمد بسبب دين خاص ودين عام، دين خاص بمبلغ زهيد لـ«ممدوح عباس» رئيس مجلس إدارة الزمالك الأسبق، ودين عام بأكثر من مائة مليون جنيه لوزارة الأوقاف وهيئة التأمينات الاجتماعية ومصلحة الضرائب، وكان حل التجميد متاحاً وسهلاً قبل أن تتدخل الدولة، وحدث مع أندية وهيئات كثيرة من قبل، بأن يعترف مجلس الإدارة بالدين، ويتفاوض عليه، ثم يسدد بعضاً منه فوراً، من باب إثبات حسن النية، ويدفع المتبقى على أقساط متفق عليها فى وثيقة مكتوبة للدائنين، ويفك الحجز تماماً، لكن الزمالك مضى فى الطريق العكسى لأسباب شخصية صرف، ولم يقبل هذا الحل الآن إلا مضطراً.

وأطلب من كل مصرى وطنى أن يرسل برقية إلى الأستاذ مرتضى: نشكركم لخلعكم الملابس الداخلية لنظامنا العام، لعلنا ننكسف على دمنا، فربما نفيق وندرك أننا فى أشد الحاجة إلى إصلاحات جذرية!