هذه بالطبع نكتة مصرية مرحة، لكن مغزاها يثير الشجون. وقد استحضرها كاتب هذه السطور عند رؤية بيان منظمة تنتمى إلى تنظيم القاعدة الإرهابى، تسمى نفسها أنصار بيت المقدس، ورغم أن اسمها يشير إلى أن عملياتها ستتجه إلى صدر العدو الصهيونى، فإذا بها تخالف ذلك. على نفس المنوال هناك منظمة كتائب الفرقان، ويعنى الفرقان القرآن الكريم، والمفترض أن عمليات تلك المنظمة تتجه لأعداء القرآن، لكن هذا أيضاً لم يحدث. نقول ذلك، لأن الناظر إلى عمليات المنظمة الأولى والمنظمة الثانية يدرك أنها توجهت لصدر المسلمين والعزل والآمنين والمسئولين الرسميين. كل هذا اتضح من استهداف المنظمة الأولى لمحاولة اغتيال وزير الداخلية الأسبوع الماضى بالقاهرة، ومقتل وإصابة وترويع الآمنين فى المناطق المحيطة، وكذلك قيام المنظمة الثانية بقتل نحو 23 جنديا مصريا بالشيخ زويد، بدم بارد منذ شهر، واستهداف السفن المارة بقناة السويس، ناهيك عن عشرات العمليات التى قامت بها المنظمتان وغيرها ضد الجنود والمنشآت العسكرية والشرطية فى رفح والشيخ زويد والعريش.
وبطبيعة الحال، لا يمكن فصل تلك الجماعات عما يحدث فى قلب المحروسة، هنا لا نستشهد فقط بما قاله محمد البلتاجى، بتوقف تلك العمليات فى الثانية التى يعود فيه الرئيس المعزول محمد مرسى لسدة الحكم، بل وأيضاً بما هو ثابت تاريخياً بخروج جماعات، مثل تنظيم الجهاد والتكفير والهجرة (المسلمين) والقاعدة وصالح سرية والجماعة الإسلامية والناجون من النار، وغيرهم وغيرهم من بطن جماعة الإخوان المسلمين، التى ابتلينا بها منذ أن عكف أحد الأشخاص فى مدينة الإسماعيلية عام 1928 بفكرة لا زلنا نتحمل أعباءها، وذلك بتأسيس التنظيم الإرهابى المسمى جماعة الإخوان المسلمين، والذى نشأ فى البداية كجماعة دعوية تتخطى الأزهر، ما لبثت أن اتجهت إلى العمل المسلح قبل الثورة، ثم أدمنت العمل السياسى.
الآن يشن الجيش المصرى، وتدعمه قوات الشرطة، هجوما مكثفا على معاقل الإرهابيين الذين شغلتهم فتوى الزنادقة من قيادات تنظيم القاعدة بقتل المصريين والآمنين، وهى فى هذا الصدد تقوم بجهد أكثر من مشرف للقضاء على بؤر الإرهاب، وذلك عبر قصف مواقع ومخابئ الإرهابيين، وملاحقة ومطاردة عناصرهم الإجرامية، وتحريز ما يمتلكونه من آليات عسكرية وعتاد عسكرى، وإغلاق وهدم الأنفاق التى يأتى بعضهم منها ويجلب بعضهم السلاح منها، وإيقاف العمل بعض الوقت فى معبر رفح الحدودى. والسؤال الآن هل تكفى هذه الإجراءات لتخفيف منابع الإرهاب؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال نشير إلى أن هناك سهولة بعض الشىء فى حصر تلك الوجوه الإرهابية، بكونها تقوم شرق قناة السويس، ولم تمتد غربها. بعبارة أخرى، إن هناك محيطا جغرافيا محددا لهذه الأنشط الإرهابية. على أن هذا الأمر لا يعنى الركون إلى ذلك، إذ إن الإرهاب وصل إلى حد تهديد الممر الملاحى للقناة، وتجاوز ذلك بمحاولة اغتيال وزير الداخلية.
من هنا نشير إلى أنه من الصعب القول إن ما تقوم به القوات حالياً، رغم أهميته، يعد كافياً لمواجهة العنف والإرهاب. لذلك يُقترح نبذ كافة دعوات التفاوض مهما كان الإغراء بشأنها، إذ لا يمكن التفاوض مع من يضع يده على الزناد، لأنه ببساطة سيقتلك إذا مددت له يد التفاوض. بعبارة أخرى، لا تفاوض إلا بعد إلقاء السلاح ومحاسبة المخطئ. الأمر الثانى، هو أن عملية القبض على المجرمين رغم أهميتها فى أنها تجلب اعترافات مهمة للمقبوض عليهم، من حيث تحديد مواقع الخصوم وعتادهم ومخططاتهم السابقة واللاحقة، فإنه يُخشى مع كثرة هذا الأسلوب أن يقوم هؤلاء بابتزاز السلطات باختطاف السياح، كما فعلوا فى السابق، للإفراج عن الموقوفين، لذلك تبدو التصفية الجسدية فى ساحة المعركة أسلوبا مهما يجدر التفكير فيه، لأنه يحقق هدفين، أحدهما فى مصلحة الدولة والمجتمع، وهو أنه يخلصهما من شرور أناس لا يلدون إلا فاجراً كفاراً، والآخر فى مصلحة الإرهابيين، وهو أنه يتيح لهم تحقيق مبتغاهم وهو (نيل الشهادة ودخول الجنة).
على أن المهم الذى يجب أن يسير جنبا إلى جنب، هو تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لهذا الجزء العزيز من أرض الوطن. صحيح أن هذا الأمر يتم على المدى البعيد، لكن لا يجب علينا الكلل فى تحقيقه، فلو كنا قد بدأنا فيه منذ عقود لأدى ذلك إلى عدم بروز تلك الظاهرة. هنا نشير إلى أن ما يحدث الآن فى سيناء لم يكن ليوجد لولا أن هناك عاطلا عن العمل، أو لو كانت هناك مدارس كافية لتعليم المواطنين، أو مصحات تقيهم من الأمراض وتمنع غضبهم على تدنى الخدمات.. إلخ.
على أى حال، لم يفت الوقت حتى الآن، فالمطلوب عدم ترك الجيش والشرطة وحدهما فى إدارة هذا الملف المهم، فهناك الإدارات الخدمية القائمة على تنمية هذا القطاع الجغرافى الحيوى.