أمي.. ابنة شيخ البلد

حسام داغر

حسام داغر

كاتب صحفي

(أنا صعيدية.. من هوارة).. جملة اعتدت سماعها مراراً بنفس الاعتزاز والفخر سنيناً طويلة في مواقف مختلفة.. أحببتها.. بل وجعلتني أفكر فيها بمنظورها هي.

إنها أمي.. المعتزة بأصولها الصعيدية التي كونت جزءاً كبيراً في شخصيتها.. ووالدها شيخ البلد صاحب القلب الطيب المعروف الشيخ عبد المبدئ.. سماها فتحية على اسم الأميرة فتحية اخت الملك فاروق.. نعم ما زلت أذكره رغم وفاته وأنا صغير.. وأذكر حديثها عنه ممتطياً حصانه العربي الأصيل البني ذو الرقعة البيضاء على وجهه.. وجدي يتحرك به في قريته بسوهاج.. تلك القرية العريقة التي يحتضنها الجبل وبها المعبد الفرعوني الشهير أبيدوس معبد سيتي الأول.. وذكرياتها أنه كان عندما يمر على أهل البلد الجالس يقف للتحية احتراماً له لأن هذا من أعراف الصعيد.. فعائلات الهوارة الممتدة إلى أراضي الحجاز ونسب العائلة المطبوع على جلد الغزال الذي تتوارثه العائلة أباً عن جد هو مصدر إحساسهم بالقوة.. تشعر بها خلال نبرات صوتها وهي تحكي عن جدتها لأمها أمينة رضوان.. وكيف كانت شخصية مؤثرة في تكوين شخصيتها القوية.. وأمها جدتي أنا زينب سعيد.. التي عاصرتها بنفسي ورأيت بعيني حبها لي التي اختصتني به لآخر عمرها.

كانت سيدات هذه العائلة تتسم بالقوة والثبات على الرأي والحب الشديد لذويهم وأولادهم.. أعتقد أنها جينات متوارثة في هذه العائلة.

أحب الجلوس إلى أمي والاستماع لها تتحدث عن هذه الفترة من عمرها وهي صغيرة.. وكيف تعرفت على أبي.. حكت لي القصة إنه كان ضابطا في الجيش المصري أيام تجنيده عقب تخرجه من الجامعة.. وكان في زيارة لأخته التي كانت تعيش في الصعيد بجوار بيت جدي.. وبحكم القرابة بينهم زارهم أبي وهي رأته.. وكانت تقوم بعمل بعض العجين من الدقيق لخبزه بعد عودتها من المدرسة الثانوية.. حيث كانت من القلائل في أخوتها التي أصرت على استكمال التعليم.. رأته ورآها ثم قال شيئا فخجلت منه ولم تعطه الرد.. مما جعله يدفعها في العجين والدقيق.. فلم تتركه بل أخذت حقها وألقته به.. ضحك كثيراً وغاب لفترة ثم عاد ليطلب يدها بعد أن أسرته بها.. وهو ابن السيدة زينب الذي تربى في بيت جدي بالقاهرة وعرف العديد من البنات في شبابه.. عاد لأنه شعر أن بها شيء مختلف.

ما زال يذكر وجهها المغطي بالدقيق وشعرها الأسود الثقيل يغطي جبهتها.. عاد ليأسس معها عائلته التي حلم بها.. وهو يقول دوماً "لقد أكرمني ربي بها.. هي أساس كل شيء في حياتي".. وقد ساعدت أمي أبي فعلا في الكثير من جوانب حياته.. فهي طوال عمرها متطلعة تحلم بالغد المشرق.. أعتقد دوماً أن قانون الجذب وجد خصيصا لمثلها ممن لا تحدهم حدود الخيال.. فهي حلمت بالكثير ونالته.

لا زلت أذكر حديث خالها عندما كنا عنده في الإسكندرية نأكل أكله سمك لا تنسى ببيته الجميل المطل على الترام، وكان خالها مديرا بالتعليم لفترة، وكان موجهاً للتعليم في الصعيد عندما كانت أمي صغيرة بالمدرسة.. قال "لها لطالما كنتِ مختلفة يا فتحية.. دوماً لا تريدين إلا الأفضل ولا تعترفي بالفشل.. كنتي مميزة منذ الصغر.. ذكية في دروسك.. حتى أبناءك ورثوا ذلك منك.. كنتي ترين المستقبل و ترين نفسك في الأعلى.. مثل طير حلق بعيداً عن السرب وقرر بناء حياته لوحده بعيداً والنجاح بها".. ما زلت أذكر كلماته هذه وأذكر وجهها الذي احمر خجلا وهي تقبله وتشكره على استضافته الجميلة.. رحمة الله عليه.

لحظات معينه أذكر بها أمي.. وأنا صغير وهي تأخذني لدروس حفظ القرآن بعد المدرسة وأنا ممسك بيدها.. وفي طريق العودة نمر على السوق وأحمل معها أكياس الخضار والأكل وهي تمشي جواري متعبة وأتمني أن أفعل لأجلها كل شيء.. وأنا أمشي بجوارها كبيراً وهي تستند على ذراعي وتتحدث معي حول عملي واختياراتي أو حول أصدقائي ورأيها الصائب دوما بهم كأنها تراهم بشكل مختلف من أول نظرة.. ودوما اعترض وأدافع عنهم ودوماً يتضح أنها على حق.. أنظر لها وهي مدافعة عن ناديها المفضل منذ الصغر "الزمالك".. وحبها الشديد له وحفظها لأسماء اللاعيبين منذ الستينات إلى الآن.. وزعلها منه في حالة الخسارة أو العكس في المكسب.. وهزار أصدقائي الأهلوية معها لدرجة الاتصال بها مخصوص لسماع تعليقاتها والضحك معها.. طريقة رؤيتها للأمور وضحكي منها بشكل مستمر.. وعرفت من أين ورثت خفه ظلي وضحكتي المحببة للناس.. دعائها المستمر لي بالرزق والملاحظ عند زيارتها لي دوماً.. فيبعث لي ربي فعلا بتليفون بخصوص عمل جديد.. والغريب أيضا إحساسها بي.. بمجرد العودة إلى منزلي أجد تليفون المنزل يرن فأفتح لأجدها هي تطئمن علي وصولي وأخبرها أني "لسه داخل" ونضحك.. أو أن أحضر لها طعاما معين تحبه معي كمفاجأة فتقول إنها كانت تشتهيه منذ قليل.. إنه (التليباثي) في علوم ما وراء الطبيعة أو علم التخاطر بالأرواح على أوجه صوره.

عندما تمرض وترفض الاعتراف بذلك لمجرد التخفيف من الضغط العصبي علينا.. في حين أني لو شعرت فقط بألم تظل هي لليوم التالي تعطيني الدواء أو تطمئن علي حتى تشعر أني بخير.. أحب حبها الشديد للإسكندرية.. وبخاصة إنها قضت جزء من طفولتها هناك.. وحديثها الدائم مع سائقي التاكسي حول الفرق بين إسكندرية القديمة في الستينات والقصور و"الجريج" اليي كانوا يعملون بها، وإسكندرية الحالية وما حل بها.

ياااه.. إنها أمي السيدة التي عاشت لحلمها ورأت ذلك في أبنائها ونجحت في تربيتهم.. تعبتي كثيراً يا أمي بعد وفاة والدي صغيراً وترك هذا الحمل الثقيل يدمي معصمك.. ولكنكِ أثبتي بجدارة أنك ابنة الصعيد البارة المخلصة لزوجها وأولادها.. أَثبتي حقاً أنك ابنة شيخ البلد.. شكراً لكِ.. أمي.

وللحديث بقية.. À toute à l'heure