انتهت لجنة العشرة، التى قامت بدراسة التعديلات المقترحة على الدستور المعطل، إلى اقتراح بإلغاء مجلس الشورى، ولما كنت واحدا من الذين شاركوا فى أعمال هذا المجلس منذ تأسيسه وتبوأت منصب زعيم الأغلبية فى سنواته الأخيرة فإننى أسمح لنفسى بأن أشارك بالرأى فى هذه القضية والتى ركز فيها أصحاب الرأى الخاص بإلغاء هذا المجلس على سببين رئيسيين؛ أولهما، أن اختصاصات هذا المجلس اختصاصات ضعيفة، وأود من السادة أعضاء لجنة الخمسين، بصفة عامة، وأعضاء لجنة النظام السياسى، بصفة خاصة، وهم يناقشون ويبحثون هذه القضية أن يستدعوا مضابط مجلس الشعب عام 1979 التى ناقشت مشروع إنشاء هذا المجلس الذى دعا إليه الرئيس السادات، رحمه الله، ذلك أن الرئيس السادات بعد أن قاد مصر فى انتصار حرب أكتوبر المجيدة بدأ يفكر فى إعادة ترتيب أوضاع الدولة وبدأ فى التفكير فى الانتقال من فكرة الحزب الواحد (التنظيم الواحد)، الذى كان فى ذلك الوقت الاتحاد الاشتراكى، ودعا للانتقال إلى مرحلة التعدد الحزبى، حيث دعا لإنشاء ثلاثة منابر سياسية تحولت إلى ثلاثة أحزاب سياسية، ثم انتقل إلى إحداث تعديل الفلسفة التى يقوم عليها الاقتصاد المصرى من الاقتصاد الاشتراكى القائم على سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج إلى الاقتصاد الحر القائم على مبدأ اقتصاد السوق، وبدأ يطرح ما سمى فى ذلك الوقت بالانفتاح الاقتصادى، وأذكر فى ذلك الوقت أنه قال للمرحوم ممدوح سالم، الذى كان رئيساً للوزراء «انسف كل ما يتصل بالنظام الاشتراكى»، وبدأ التحول الواسع فى بيع كثير من المشروعات الاقتصادية فى الصناعة والتجارة والزراعة فى القطاع العام إلى القطاع الخاص، ثم فكر ثالثاً فى إحداث تحول فى النظام البرلمانى، وكان شغوفاً بالتجربة الأمريكية، شأن كثير من المصريين المتطلعين إلى مجتمع جديد، هذا النظام البرلمانى الذى يقوم على المجلسين، وليس المجلس الواحد، كما كان يرى أن إنشاء مجلس آخر يقوم بدور مجلس الشيوخ فى أمريكا يمكن من خلاله معالجة ثغرة كثر الحديث حولها، وهو أنه لا يوجد قانون محاكمة الوزراء، حيث إن مصر لم تعرف قانون محاكمة الوزراء إلا فى دستور الوحدة بين مصر وسوريا، الذى صدر عام 1958، ولما حدث الانفصال عام 1961 سقطت القوانين الوحدوية، ومن بينها هذا القانون، ورأى السادات أن هذا المجلس الجديد يمكن أن يكون من بين اختصاصاته محاكمة الوزراء، على غرار ما يقوم به مجلس الشيوخ الأمريكى، إذ إن النظام الأمريكى يعطى مجلس النواب حق المساءلة السياسية للرئيس والوزراء، وإذا ما أدان مجلس النواب الرئيس أو أحد الوزراء يحال الأمر إلى مجلس الشيوخ الذى يقوم بمحاكمة الرئيس أو أحد الوزراء، كما أن مجلس الشيوخ يقوم بمتابعة أعمال الرئيس والموافقة على تعيين بعض كبار الموظفين، حينئذ تقدم السادات بمشروع التعديل الخاص بإنشاء مجلس الشورى وفى مقدمة اختصاصاته أن الوزراء يحاكمون أمام مجلس الشورى وقدم مشروع التعديل قبل طرحه للاستفتاء الشعبى على مجلس الشعب الذى كان قائماً فى ذلك الوقت، وأود أن أصارح القارئ العزيز أن المأساة بدأت من هنا فلقد اعتبر أعضاء مجلس الشعب أن إنشاء المجلس الجديد جاء لينافسهم وينقص من اختصاصاتهم، ففى القراءة الأولى أصيب أعضاء المجلس بذعر شديد، إذ إن معنى أن هذا المجلس يختص بمحاكمة الوزراء أنه المجلس الأعلى والأقوى ولهذا رفضوا هذه المادة فى القراءة الأولى والتى عكست نفسها على مناقشة باقى مواد التعديل، خاصة الاختصاصات، وسوف أضع أمامكم بعضا من آراء الأعضاء الذين شاركوا فى مناقشة هذا المشروع واضعين نصب عيونهم ألا تشمل اختصاصات هذا المجلس أى اختصاصات تشريعية ويبدو واضحاً حيث قال عضو إن هذا المجلس لا يمكن أن يكون له اجتماعات دورية وأدوار انعقاد شأن مجلس الشعب بل إن هذا المجلس ينعقد فى حالة الملمات، حيث يجتمع عندما يقع حدث جلل، وطرح مثالاً على ذلك أنه إذا كان هذا المجلس موجوداً فى حالة انتفاضة الخبز عام 1977 كان يمكن دعوة هذا المجلس وكأنه مجلس لإطفاء الحرائق وإخمادها، وقال آخر إن علينا أن نضع نصاً يقول إن مناقشات هذا المجلس يجب ألا يكون لها أى أثر خارج جدران هذا المجلس، واقترح ثالث تعديلا بأن يؤخذ رأى المجلس فى الخطة العامة وفى المعاهدات الدولية وفى المشروعات المكملة للدستور ليكون «يناقش المجلس» بدلاً من «إبداء الرأى» حتى لا يكون للمجلس رأى ملزم ولو أدبياً، وعندما انتهت المناقشات التى سلبت المجلس أى اختصاص تشريعى وجوبى ولا أى دور للرقابة على أعمال الحكومة جاء الدور على المكان الذى يوضع فيه هذا التعديل داخل الدستور، فقال نائب عاقل غير متأثر بروح الأنانية التى أصابت الكثيرين من الأعضاء إن المكان الطبيعى الذى يوضع فيه هذا التعديل هو باب السلطة التشريعية بحيث يكون القسم الأول مجلس الشعب والقسم الثانى مجلس الشورى، فعاجله رئيس المجلس آنذاك المرحوم الدكتور صوفى أبوطالب، قائلاً لا لا هذا ليس مجلساً تشريعياً، فسأله العضو أمال هو إيه؟ فرد عليه هو كده وإحنا حنحطه فى آخر الدستور، وأريد أن أعرض بعضا من هذه التفاصيل لكى أشهدكم أن الذى حدد وصاغ اختصاصات هذا المجلس هو مجلس الشعب الذى جرد -بكل الوسائل- اختصاصات تشريعية جادة أو أى دور رقابى محدد، خصوصاً إذا عرفنا أن المجلس استطاع بعد سنوات من تأسيسه أن يدخل آلية هامشية للرقابة وهى طلب مقدم من عشرين عضوا أو اقتراح برغبة، وكلا الأمرين لا يمثل أى دور حقيقى للرقابة والمساءلة حتى إن المجلس فى سنواته أعد كثيراً من التقارير السياسية فى مجالات الحياة ولم نر لها أثر، حتى إننى أزعم أنها لم تخضع لرأى واحد من الحكومة والبلدان التى تأخذ بنظام المجلس تحدد اختصاصات تشريعية ورقابية تحقق المشاركة بين المجلسين، وارجعوا إلى دساتير البلدان التى تأخذ بنظام المجلسين ليكون شاهداً على ذلك، وتشاء الظروف والمقادير أن ينتقل رئيس مجلس الشعب الدكتور صوفى أبوطالب، رحمه الله، ليكون عضواً بمجلس الشورى، وكنا نشكو من ضعف الاختصاص وكانت قد جمعتنى به عضوية اللجنة العامة لمجلس الشورى فسألته يا ترى إيه رأيك فى الدستور الذى يقوم به المجلس الآن؟ فأبدى إعجابه، فقلت له لماذا يا دكتور حرمتم المجلس من أى اختصاص تشريعى جاد أو دور رقابى واضح؟ فابتسم ابتسامة لم أعرف معناها، وقال انت عملتم من الفسيخ شربات، فابتسمت ولم أعلق، وفى عام 2007 جرى تعديل دستورى حاولنا بكل الوسائل أن نعيد تصحيح اختصاصات المجلس ولا حياة لمن تنادى، فلقد كانت نفس الروح مسيطرة حتى ولو تغيرت الأسماء إلى أن تم تعديل واحد، فبدلاً من أخذ رأى المجلس فى مشروعات القوانين المكملة للدستور كان التعديل «يوافق المجلس على هذه التعديلات»، وحتى يظل المجلس محاصراً فقد حرص مجلس الشعب أن يحدد مشروعات القوانين المكملة للدستور على عشرين قانوناً فقط، وحتى لا يكون لمجلس الشورى حرية الحركة وليظل الاختصاص هامشيا وضعيفا وممسوخا، وأذكر أن الرئيس الأسبق مبارك جاء إلى مجلس الشورى بعد الحريق الذى حدث وبعد أن تم إعادة المجلس إلى الوضع الأفضل والتقى «مبارك» بأعضاء اللجنة العامة، فسألته قائلاً لماذا لم يتم توسيع اختصاصات مجلس الشورى فى التعديل الدستورى؟ فقال: كنت أود أن تحصلوا على اختصاصات أوسع، ثم قال لى لكن إخوانك هناك -يقصد مجلس الشعب- رفضوا، وعموماً فهى خطوة وأظن أنه بدا واضحاً للجميع أن ضعف الاختصاص كان مقصوداً وهامشية الدور كانت مستهدفة وتحويل المجلس ليكون مكلمة كان توجهاً وأظن أن الأمر مختلف فالذى يناقش التعديل الآن هى لجنة الخمسين تمثل أطياف المجتمع وتسعى لدستور توافقى لدولة مدنية محترمة نعيش فيها ويناسب تطور الحياة فى الدنيا كلها، وأود بعد ذلك كله أن أؤكد أننى من المهتمين بقيام النظام البرلمانى فى مصر على نظام المجلسين، خصوصاً إذا أخذنا فى الاعتبار أن عدد الدول التى تأخذ بنظام المجلسين تعدى ثمانين دولة تغطى أكثر من ثلثى مساحة العالم وتمثل أكثر من ثلاثة أرباع الاقتصاد العالمى فمنها الولايات المتحدة وروسيا والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وكندا والهند واليابان وإيطاليا وهولندا والمكسيك والأرجنتين والبوسنة والهرسك والنمسا ورومانيا وسويسرا وتايلاند وباكستان ومن الدول العربية والأفريقية الجزائر وإثيوبيا والكونغو والكونغو الديمقراطية والأردن ونيجيريا والسنغال والسودان وجنوب أفريقيا وزيمبابوى وغيرها، كذلك فإن مجلس الشورى كان قد نجح فى خلق علاقات وطيدة مع معظم البلدان التى تأخذ بنظام المجلسين وإلغاء هذا المجلس هو خسارة علاقات وطيدة يمكن أن تسهم فى خدمة قضايا العمل الوطنى وتعظيم دور المشاركة الشعبية التى نحن أحوج ما نكون إليها، وأود أن أشير إلى أن مصر منذ دستور 1923 أخذت بنظام المجلسين من عام 1923 إلى عام 1952 «29 عاماً» ومن عام 1980 إلى عام 2012 «32 عاماً»، بينما أخذت بنظام المجلس الواحد من عام 1954 إلى عام 1980 «26 عاماً» كما أن لمجلس الشورى تمثيلا واضحا فى البرلمان الدولى والأفريقى والعربى والمتوسطى، إننى أرى أهمية وجود مجلس للشورى فى نظام يقوم على المجلسين وأن يكون له اختصاص تشريعى واضح ويحقق التكامل بين المجلسين، كما يمكن أن يكون هناك تمايز فى النظام الانتخابى بين المجلسين، كما أن مجلس الشورى يعطى فرصة للعناصر غير القادرة على الفوز فى الانتخابات المباشرة مثل المرأة والأقباط وبعض الشخصيات العلمية والسياسية المتميزة التى لا تستطيع الانتخابات وجودها بالبرلمان إلا من خلال عضوية مجلس الشورى الذى يسمح بوجود نسبة معقولة بالتعيين ولا يمكن أن تقارن بالنظام الذى كان قائماً بنظام المجلسين، فالحقيقة لم يكن هناك إلا مجلس تشريعى واحد ومجلس كمالة عدد لأن من صاغوا قانونه هم الذين أفرغوا اختصاصاته التشريعية والرقابية وإذا كان قد حدث هذا من جانب أعضاء المجلس فى ذلك الوقت فإن الأمل كبير فى لجنة الخمسين التى تضم نخبة وطنية ممتازة لا تحكمها مصالح شخصية أو تطلعات أنانية لكنها تتطلع إلى أفق أوسع ودستور أرحب ونموذج تقدمه مصر الثورة لكثير من بلدان العالم وأنا أناشدكم لا تقيموا تجربة المجلسين على ضوء ما كان قائماً فى مصر ولا على ضوء الاختصاصات الممسوخة التى حددها مجلس الشعب آنذاك ولتكن نظرتكم إلى المستقبل الذى نتطلع إليه، خصوصاً أن الأنظمة البرلمانية فى العالم تتجه نحو الأخذ بنظام المجلسين ذلك أن هذا النظام يحول دون سيطرة واستبداد مجلس واحد على السلطة التشريعية ويدعم الديمقراطية التى نسعى إليها جميعاً وهذا سيكون هو الأفضل بمشيئة الله.