نهارٌ مثل غيره.. أسابيع مرت على انتقالنا من حى عابدين إلى العباسية.. ساعاتنا التى نقضيها فى البيت أطول.. سنوات العمر الست التى أحملها ترفض لى أن أستقر فى مكان.. وبداياتى فى عالم القراءة تتيح لى أن أنزوى بجريدة الأهرام التى يحرص والدى على إحضارها كل ليلة.. أتصفحها وأنا أتهجى المانشيتات فى محاولة لكى أبدو أكبر سناً مما أنا عليه.
نهارٌ مثل غيره يمر.. الراديو الكبير فى الصالة يقطع برامجه ليقدم إذاعة متواصلة للقرآن الكريم.. ينتاب الجزع قلب أمى.. تردد هامسة: «خير يا رب»، تندفع إلى التليفزيون.. يطل علينا الشيخ عبدالباسط عبدالصمد يرتل القرآن.. تتساءل جدتى المشاكسة: مالك كده رايحة جاية على التليفزيون والراديو؟ فتجيبها: مش عارفة إيه اللى حصل.. مشغلين قرآن على طول. فترد ببساطتها: «وماله هو القرآن وحش؟».. لم تستطع أمى التواصل مع أبى عبر التليفون الذى لم يُنقل بعدُ من عابدين إلى العباسية.. فلم تكن الأمور بتلك البساطة التى هى عليها الآن. كان انتظار عودته فى المساء حتمياً كى تعرف منه ماذا يجرى.. قبل وصوله كان الخبر قد أذيع: «مات عبدالناصر». هو أول لقاء لى فى حياتى مع الموت، لم أسمع تلك الكلمة تتردد من قبل. عمرى الذى لم يتعدَّ السنوات الست لم يدركها، لكن عمق معناها كان فى دموع أبى التى أراها لأول مرة.. وكرافتته السوداء التى أخرجها من الدولاب ليرتديها فى الجنازة. أول لقاء لى بالموت مصحوباً بحزن تهتز له الشوارع والميادين ويرج ملايين البشر.
أتذكر أننى بكيت وأنا لا أدرى ما الذى أبكيه.. سارعت إلى الشارع أنا وأخى لنردد مع المواكب التى تسير: «الوداع يا جمال يا حبيب الملايين.. الوداع».. مصر ترتدى السواد.. والحزن فرض عين.. يومها أصبح «عبدالناصر» زعيمى أنا.. ورمزى أنا.. كبرت سنوات عمرى وأنا أشارك بطفولتى فى السخرية من «السادات» مع الساخرين.. أردد أغانى الاستهزاء ونكات المسخرة. فمن هو ليحل محل «عبدالناصر»؟ حتى كانت اللحظة التى نادتنى أمى وهى تصرخ لنستمع إلى البيان الأول للعبور.. غاب «عبدالناصر».. أصبح والدى ساداتياً عاشقاً للزعيم المنتصر.. وأنا من خلفه أزهو بالزعامة الجديدة.. تسع سنوات من عمرى مكّنتنى من أن أكتب قصيدتى الأولى فى حب «السادات».. استمع لها والدى بإكبار وإعجاب جعلت «السادات» ظلى السياسى الذى أسير به أينما أسير.. أشرق بطل الحرب والسلام.. وغاب زعيم النكسة والهزيمة وزوار الليل.. كالمتصيد أقتنى الكتب التى ترسخ فى داخلى كراهيته وكل ما يعمى قلبى كى أراه فقط من أضاع العرب وأن كل ما نحن فيه ما كان لولا «عبدالناصر».
منذ سنوات، بدأت فى الإعداد لعمل تسجيلى ضخم عن الزعيم الذى أكرهه وأن أحرص على بيان كل أسباب كراهيته عسى أن يشاركنى الجميع تلك الكراهية.. ويشاء الله أن أنشغل عن هذا العمل.. ثلاث سنوات منذ ٢٥ يناير كانت كفيلة بأن تجر أفكارى المترددة نحو التاريخ الحقيقى لهذه الأرض.. وعطاء من حكموها من أول محمد على. وأن أنفض عن عقلى كراهية غير عادلة تجاه «عبدالناصر».. ليكون السؤال العادل: لماذا حاربوا مصر فى «عبدالناصر»؟ ولماذا قتلوا «عبدالناصر»؟.. قتلوه لأنه اقترب بمصر من خطوط العمالقة. كاد المارد ينطلق بمصانعه وقوة اقتصاده وعلومه ونهضة الفلاحين والبسطاء وعمال المصانع.. كادت مصر تكون.. وتحررت أفريقيا.. كان لا بد من العدوان الثلاثى والنزاعات الإقليمية فى اليمن وحرب ٦٧.. كان لا بد أن يُقتل «عبدالناصر» ويرث من يأتى بعده الأرض محتلة.. والنفوس كسيرة.. والخزينة خاوية.. كان زعيماً وما كان نبياً.. والزعماء بشر.. وما نحن بآلهة لنوزع أحكامنا بين الجنة والنار.. والآن تأتى ذكرى رحيله لأنحنى خجلاً واعتذاراً.. فمن منا فعل لهذا البلد ما فعله «عبدالناصر»؟.. عذراً يا حبيب الملايين.