معاناة مع وصمة «رد سجون»: «من كان منكم بلا خطيئة.. فليرمنا بحجر»

كتب: جهاد مرسى

معاناة مع وصمة «رد سجون»: «من كان منكم بلا خطيئة.. فليرمنا بحجر»

معاناة مع وصمة «رد سجون»: «من كان منكم بلا خطيئة.. فليرمنا بحجر»

زجاجات صغيرة وضعها أمامه، وأخذ يتناول منها كميات محددة بدقة، يمزج الكحول بـ«أسانس» خام مع قليل من المثبت، ويظل يختبر الخليط لحين الاستقرار على العطر التركيب، وعلى الفور يعبئه فى زجاجة أنيقة قبل أن تختلط رائحته الطيبة بانبعاثات الدخان والروائح الكريهة المنتشرة من حوله فى الخرابة التى تستقر فيها «باكية» العطور.

مشروع بسيط أسسه أحمد صلاح ليبدأ حياة جديدة بعد 3 سنوات قضاها داخل السجن. درس المشروع جيداً وبدأه برأسمال متواضع، 5 آلاف جنيه، اقترضها من صديق مقرب، على أمل أن يسددها له فى القريب العاجل، ويتبقى له مكسب بسيط يعيش منه، وربما يطور به مشروعه فى المستقبل إذا كُتب له النجاح، إلى أن اصطدمت أحلامه بالواقع ودهسها لودر حكومى دون رحمة، بتهمة الإشغالات، لتسيل العطور على الأرض وتختلط بالتراب والقمامة، وتعود الخرابة إلى سابق عهدها.

{long_qoute_1}

الصدمة التى تلقّاها «صلاح» أنعشت ذاكرته، وعادت بها 3 سنوات إلى الوراء، حيث اليوم الموعود، حين أنهى وردية العمل فى شركة خدمات بريدية تتبع المطار، وقام بزيارة شقيقه فى محبسه، وهناك تم التحفظ عليه بتهمة يراها ظالمة «إدخال ممنوعات داخل السجن»، لتُرفع قضية ضده أمام المحكمة، ويُحكم عليه بالحبس لمدة 3 سنوات.

ظالماً كان أو مظلوماً، حاول «صلاح» طىّ الصفحة وبدء حياة جديدة، حتى لا يعود للسجن، فمرارته لا تزال فى حلقه رغم مرور 7 سنوات على إطلاق سراحه. هناك كان وحيداً بلا رفيق ولا زائر ولا حتى مصروف يشترى به بعض احتياجاته الأساسية، فاضطر للعمل «مكوجى» فى محبسه، وتحلى بصبر لم يعهده سمح له بكى ملابس تملأ غرفة كاملة يومياً نظير «قاروصة سجاير».

ظل «صلاح» يعد الأيام ويحسب ما تبقّى له من فترة العقوبة، ويشغل نفسه بتفاصيل عديدة ليمضى الوقت، ففكر فى دراسة الحقوق على سبيل المثال، لتضاف شهادته إلى بكالوريوس معهد الحاسب الآلى ونظم المعلومات الذى يحمله، الطلب الذى قوبل بالرفض من إدارة السجن دون إبداء أسباب.

ذكريات عديدة مؤلمة يتذكرها رغماً عنه، وحاول بشتى الطرق أن يمحوها ليبدأ من جديد، فكّر أولاً فى شراء «توك توك» والعمل عليه، لكنه تراجع فيما بعد بسبب شكاوى السائقين، ثم بنى «باكية» العطور التى تم هدمها تحت دعاوى «إشغالات الطريق العام»، ومن بعدها جرب حظه فى محل عطور، ومحاولات عديدة أخرى باءت جميعها بالفشل، فرأسماله ضعيف لا يعزز نجاح أى مشروع، وأى وظيفة يتقدم إليها تلفظه بعد الاطلاع على «الفيش والتشبيه»، كما فشل فى محاولات تخصيص كشك من المحافظة، رغم أنه حق تكفله الدولة لمن قضى عقوبة داخل السجن.

«كل حاجة راحت بعد الحبس.. حياتى نفسها اتشقلبت، حتى معاملة الناس اتغيرت تلاقى واحد أقل منك فى كل حاجة ويرميك بكلام يوجع، يقول لك وسط أى حوار هو أنا سوابق، هو أنا اتحبست؟!.. لو حد غلط فيا ممنوع أغلط زيه ولا حتى أطوّل معاه فى الكلام، لأنى مشبوه ويتصدق فيا أى حاجة، حتى إخواتى البنات بحاول أبعد عنهم عشان متجوزين من عائلات محترمة، وخايف حياتهم تبوظ بسببى».

«منين أعيش؟»، سؤال يتوجه به «صلاح» للمسئولين عله يجد إجابة، ليس فقط لفشله فى إيجاد وظيفة شريفة يقتات منها، ويسدد 800 جنيه إيجار شقة متواضعة «أوضتين وصالة» فى منطقة شعبية، إنما لعجزه أيضاً عن تسديد 50 ألف جنيه غرامة الحبس لمدة 3 سنوات: «يعنى لو لقيت شغلانة حين ميسرة، اللى هاشتغل بيه بدل ما أصرفه على بيتى وعيالى، هدفعه للحكومة.. أو أستسهل وأمشى فى الغلط»!

{long_qoute_2}

مصيبة أحمد رشدى تفوق «صلاح» كثيراً، فهو مطالب بتسديد 100 ألف جنيه للدولة، نظير حكمين بالسجن مدة كل منهما 3 سنوات: «قلت لهم هو أنا لو معايا فلوس كنت دخلت السجن؟ قالولى ادفع ١٠% وقسّط باقى المبلغ، وحذرونى لو ماسددتش هيتحجز على عفش البيت، ويعينونى حارس عليه، ولو ضاع حاجة منه لا قدّر الله، أرجع تانى السجن فى قضية تبديد»!

يحلم «رشدى» بحياة شريفة، لكنه لا يعرف من أين يبدأ، فهو لا يملك شيئاً.. بدون شهادة تعليمية «إعدادية»، بدون وظيفة بسبب لقب «رد سجون»، حتى منزله سيصبح حارساً عليه إذا لم يسدد الغرامة، وحين فكر فى التقدم بورق تخصيص كشك، وشعر أنه السبيل الأخير لانتشاله من طريق الضياع، لا يعلم مصير طلبه، هل سيلقى قبولاً، أم سيوضع فى الأدراج، شأنه شأن مئات الطلبات: «جوز أختى شغال فى شركة الكهربا، وطمّنى إنهم ممكن يقبلونى على حالى فى وظيفة متواضعة، ولما طلبوا منى ورق التجنيد، قلت لهم إن وقتها كنت بقضى عقوبة فى السجن، حاولت كتير معاهم ووضحت لهم الظروف، لكن زى كل مرة اترفضت».

سبيل أخير كان يتشبث به «رشدى» ليأكل من الحلال ولا يعود للسجن، فمن أمام شقته الكائنة فى دور أرضى، وضع عدداً من الدراجات و«ترابيزة بلياردو» فى الشارع، يؤجرها بجنيهات قليلة لأطفال وشباب منطقة شبرا الخيمة، الرزق الذى لم يدم طويلاً هو الآخر، حيث اشتكى عدد من السكان من «الدوشة» والزحام، واتهموه بإشغال الطريق العام، ليكون مصير مشروعه المتواضع التحطيم والمصادرة: «الفلوس اللى أبويا الله يرحمه سابهالى راحت فى زيارات السجن، ولما جيت أعمل مشروع العجَل أخويا وجوز أختى ساعدونى بمبلغ بسيط عشان أجيب حتى مصاريفى الشخصية، ودلوقت عايزين فلوسهم.. أجيب منين؟».

أن تتكيف مع واقعك وتكبح جماح أحلامك أفضل كثيراً من الإحباطات المتتالية، هكذا كان يفكر إسلام سمير، فأية وظيفة أو مشروع يناسبه، وهو مطالب بالمرور على القسم يومياً وقضاء ١٢ ساعة «مراقبة» داخله، كم تبقّى له من اليوم لينام ويعمل؟!

{long_qoute_3}

٢٦ عاماً هى عمر «إسلام» ضاع منها ٦ سنوات داخل أسوار السجن، لأخطاء يعترف بها ويندم عليها. بدأت مأساته بعقوبة ٣ سنوات، ومن بعدها ٣ سنوات مراقبة بالمثل، ترتب عليها العودة مجدداً للسجن بحكم جديد، ومنذ أن أصبح طليقاً يطالبه من حوله بالعمل، بدلاً من الجلوس على المقهى، لكنه يشعر بيأس شديد، فمن أين له أن يؤسس مشروعاً وهو مطالب بدفع ١٠٠ ألف جنيه غرامة الحبس، لا يملك منها جنيهاً واحداً، وكيف له أن يبدد مخاوف مَن حوله ونظراتهم التى تتفحّصه وتظن فيه السوء حتى وإن كانت نيته سليمة فى بدء حياة نظيفة؟ «المفروض يا الدفع يا الحبس، لكن نتحبس ونخرج على فيض الكريم ونسدد كمان آلافات للحكومة.. طب منين؟»، لسان حال «إسلام» الذى لم يودع حلم الوظيفة فقط، إنما الزواج أيضاً، فمن سترضى برد سجون مديون، ولا يملك ثمن محبس ذهب!

«كان فيه وظيفة مطلوبة فى مول تجارى، ولما اتقدمت ليها، وعرفوا إنى كنت مسجون مرتين اترفضت، مازعلتش وقتها، أصل أنا اتعلمت الصبر جوه السجن»، وتكررت التجربة فى أكثر من مكان، فما إن يطلعوا على صحيفته الجنائية حتى ينفروا منه ويرفضوه، خاصة أن مؤهلاته الشخصية لا تشفع له، فهو غير متعلم ولا يمتلك صنعة أو حرفة تميزه عن غيره من الشباب الأفضل حالاً منه، ولا يملك حتى مبلغاً من المال يسمح له بتأسيس مشروع خاص متواضع.

يخشى «إسلام» من العودة إلى السجن للمرة الثالثة، فأثناء وجوده به لم يودع أباه ويرافقه إلى مثواه الأخير، الأمر الذى ترك أثراً نفسياً كبيراً داخله، كما أنه خسر الكثير من زملائه، كما أنه يرغب فى رعاية أمه، التى تحظى بسيرة طيبة بين الجيران، وكانت أحد أهم أسباب تعاطف البعض معه: «الكشك على قدنا وهيمنعنا عن حاجات وحشة كتير، لازم يلاقولنا شغلانة ومايسيبوناش للتفكير والفراغ.. شوفوا الناس اللى ماشيين فى الغلط بيعملوا كده ليه.. ساعدوهم بدل ما تحاسبوهم.. فيه ناس منهم كويسين وبيصلوا بس مش لاقيين طريق غيره».

السجن فى رأى «إسلام»: «لا بيعلم الجريمة ولا العفة، كل شخص يختار حياته، لكن بره السجن الوضع مختلف، فيه أوضاع بتتفرض عليك، ومفيش أسهل من السكة الشمال والرجوع للسجن». وعود كثيرة سمعها «إسلام» أثناء فترة العقوبة، عن حقوق تكفلها الدولة لرد السجون، منها سكن وكشك وأرض ووظيفة، لم يظفر بأى منها، ويلتمس من المسئولين الموافقة على تخصيص كشك له، كمحاولة أخيرة للنجاة من المصير المعتم، وسيتولاه هو من الألف إلى الياء: «كل اللى عاوزينه موافقة إن المكان ده بقى بتاعنا. وقتها سيبونا واحنا هنتصرف، هنحفر فى الصخر ومحدش هيتأخر عنا.. الحكومة بس اللى بتتأخر. إحنا ولاد ناس كويسين، وغلطنا مفيش حد ما بيغلطش».

«رشدى» تحولت أحلامه إلى كابوس

 

«صلاح» يطالب بـ«كشك»


مواضيع متعلقة