ملامح السياسة الإقليمية المصرية
- الأراضى المصرية
- الأسبوع الماضى
- الأمن القومى
- الإقليمية والدولية
- الاتحاد السوفيتى السابق
- الترع والمصارف
- التيار الدينى
- الجيش المصرى
- أبعاد
- أخلاق
- الأراضى المصرية
- الأسبوع الماضى
- الأمن القومى
- الإقليمية والدولية
- الاتحاد السوفيتى السابق
- الترع والمصارف
- التيار الدينى
- الجيش المصرى
- أبعاد
- أخلاق
فى الأسبوع الماضى، تحدث الرئيس السيسى فى «مؤتمر الشباب» عن الأوضاع الإقليمية، ورؤية مصر لها، والأسس والمنطلقات التى تحكم سياسات القاهرة تجاه المنطقة ودولها، وهو حديث اتسم بالصراحة وبدرجة عالية من الوضوح، بحيث يمكن اعتباره شرحاً مستفيضاً وتوضيحاً للسياسات الخارجية للدولة من جانب، واستشرافاً لها من جانب آخر.
بقراءة متأنية لخطاب الرئيس فيما يتعلق بالدور الإقليمى المصرى، يتضح لنا أنه يريد دوراً يتسق مع القدرات والإمكانيات المتاحة، ويلتزم بمبادئ أساسية، تتسق مع التوجه العام للسياسة المصرية، كما ظهر على مدى أكثر من قرنين من عمر الدولة الحديثة.
سيمكن وصف الدور الذى أراده الرئيس، وشرح أبعاده، بأنه غير طموح، وأنه لا يعكس اعتداداً ملائماً، لكن يصعب جداً تجريد تلك الرؤية المعلنة من كونها منطقية وواقعية وأخلاقية.
يمكن القول إن مصر دولة قادرة على أن تكون محورية وقاعدة فى النظام الإقليمى، وإنها تملك قدرات ومقومات لعب أدوار مؤثرة فى السياسة الإقليمية والدولية، لكن هذا الدور، وما يتبعه من تأثير، ليس قدراً محتوماً، بقدر كونه مرهوناً بوضعها الداخلى، وقوتها الشاملة.
لطالما أكد علماء السياسة أن السياسة الخارجية ليست سوى امتداد للسياسة الداخلية، وأن قدرة أى دولة على ممارسة مثمرة ومؤثرة فى السياسات الإقليمية والدولية تنبع أساساً من القوة الداخلية، ومدى التجاوب مع المتطلبات والمحددات والقيود.
وانطلاقاً من ذلك التأسيس يبدو أن دور مصر الخارجى لا يمكن قراءته وتحليله سوى من خلال النظر إلى الداخل، ومعاينة التطورات المحلية، وحساب القدر الذى تتيحه من القوة والفاعلية للعب الأدوار الخارجية. شهد الدور الإقليمى المصرى لحظات إشراق تاريخية منذ عصر الدولة الحديثة، التى أسسها محمد على فى مطلع القرن التاسع عشر، وقد أعطى هذا التأسيس البراهين الدالة على أن تطوير الاقتراب الإقليمى والدولى للبلاد يبدأ من بناء الداخل. لم يبدأ محمد على فى مقارعة القوى الدولية والإقليمية، وتوسيع رقعة النفوذ المصرى، إلا بعد استكمال قواعد البناء الداخلى؛ وهو الأمر الذى ظهر فى تأسيس الجيش القوى الحديث، وبناء المصانع، وتطوير الزراعة، وشق الترع والمصارف، وصيانة نهر النيل، وتطوير التعليم، وإرسال البعثات، وزيادة الدخل القومى.
عندما أسس محمد على بنية أساسية قوية، وعالج العوار الاقتصادى والمالى، وبنى قدراً من الاعتماد على الموارد المحلية معتبراً، وحقق فوائض فى الإنتاج، وتبنى سياسة إحلال للواردات عبر عمليات تصنيع مدروسة، كان بوسعه أن يتطلع إلى الخارج للعب الدور المستحق.
وبعيداً عما آلت إليه تجربة محمد على، التى اصطدمت بمصالح غربية، وتحالفات بين قوى كبرى، أعادت صياغة مشروعه، وألحقت به هزيمة عسكرية، وأجبرته على تقليص طموحاته الإقليمية، فإن دراسة تجربته ما زالت صالحة للبرهنة على نجاعة التعويل على الداخل لبناء دور إقليمى مؤثر.
أعاد الرئيس جمال عبدالناصر التجربة مرة أخرى، عندما كانت مصر فى عهده دولة قاعدة ومحورية بحق فى لعب الأدوار الإقليمية البارزة، بل وفى التأثير فى تفاعلات السياسة العالمية، عبر سياساته الرامية إلى دعم ما عُرف بـ«ثورات التحرر الوطنى» ودعم «استقلال الشعوب»، فى مواجهة «الإمبريالية العالمية».
أراد الزعيم الراحل أن يبدأ تجربته الإقليمية والدولية انطلاقاً من أساس داخلى متين؛ فسعى إلى تعزيز تسليح الجيش عبر اتفاقيات عسكرية مع الاتحاد السوفيتى السابق وقوى المعسكر الشرقى، بموازاة حركة تصنيع واسعة، وسياسات اجتماعية كانت محل جدل، لكنها عززت شعبيته، وزادت التماسك الوطنى، والالتفاف حول القيادة.
لكن تجربة عبدالناصر كانت أكثر مدعاة للأسى من تجربة سلفه محمد على؛ إذ إنها انتهت بهزيمة عسكرية مذلة، واحتلال لجزء من الأراضى المصرية والعربية، وأفضت لاحقاً إلى صعود التيار الدينى، الذى عرفنا فيما بعد أنه كان سبباً فى تأخر عمليات التحديث الاجتماعى والسياسى، وصولاً إلى تهديد الدولة الوطنية، والعبث بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعى.
كانت حرب أكتوبر 1973، التى تم شنها فى عهد الرئيس السادات، ذروة من ذرى تألق الدور الإقليمى المصرى، ليس فقط لأنها شهدت توافقاً مصرياً سورياً نادراً، حيث خاضت الدولتان الحرب معاً، ولكن أيضاً لأن تلك اللحظة المجيدة فى التاريخ العربى شهدت نوعاً من الالتفاف الإقليمى، والتآزر، والإيثار، والمشاركة الفعالة فى الحرب من عدد كبير من الدول العربية، وهو الأمر الذى شهد ذروته فى الموقف الخليجى التاريخى، حين قطعت دول خليجية إمدادات البترول عن الغرب، للتأثير فى موقفه الداعم لإسرائيل.
بعد تلك اللحظة أخذ الدور الإقليمى المصرى فى التدهور والأفول، وراحت مصر تنسحب شيئاً فشيئاً من أدوارها ومسئولياتها الإقليمية، وهو انسحاب لم ترثه دولة أخرى بعينها، أو تحالف محدد، ولكن ورثه الفراغ، وبالتالى ظلت المنطقة بلا ملامح نظام إقليمى واضح، ومن دون قيادة إقليمية فعالة.
يمكن أن نفهم مما قاله الرئيس السيسى، الأسبوع الماضى، أن رؤية مصر للمقاربة الإقليمية تتحدد فى العناصر التالية:
استبعاد الحرب كخيار وحل.
التأكيد على وحدة أراضى الدول وسلامة ترابها الوطنى.
الحد من التدخلات الإقليمية والدولية.
احترام مكانة الجيوش الوطنية، والتأكيد على دورها الحصرى فى صيانة الأمن القومى لبلدانها.
تعزيز التعاون والتفاهم وحل النزاعات سلمياً.
دور مصر حيال الصراع الفلسطيني- الإسرائيلى لن يتطور عن وضعه الراهن.
مصر ستدير سياسة حذرة حيال سوريا، لا تخرق مبادئها الأساسية، ولا تزعج حلفاءها، وسيكون السكون فيها أكبر من الحركة.
باستعراض هذه العناصر، نجد أنها ليست سوى معايير وأسس، ذات طابع أخلاقى ومبدئى، أكثر من كونها ملامح سياسة إقليمية تنطوى على أدوار ومواقف وتقديرات مرنة.
لا يمكن لمصر أن تلعب دوراً إقليمياً فعالاً من دون تطوير أوضاعها الداخلية؛ إذ يظل الافتقار إلى المقومات الاقتصادية عاملاً جوهرياً فى تحجيم الأدوار الإقليمية والدولية.
إن تفاقم الصعوبات الداخلية التى تواجهها البلاد راهناً يحرم القيادة من تطوير سياسة إقليمية جريئة تعبر عن المكانة والمكان والاعتبار التاريخى للدولة المصرية.
بسبب المآخذ التى تسجلها دول ومنظمات دولية مرموقة على مصر جراء الممارسات المتصلة بالحريات وحقوق الإنسان، تفقد الدولة جزءاً من الصورة الذهنية البراقة المطلوبة للعب الأدوار الكبرى إقليمياً.
ورغم أن الجيش المصرى يعد ركيزة أساسية للدولة، ومفخرة وطنية وقومية، وعمود الدولة الصلب، وأبرز مقومات قوتها الشاملة، فإنه، وفق بيان الرؤية المعلن للسياسة الإقليمية المصرية، سيظل بعيداً عن التورط فى أى نزاع، عبر المشاركة القتالية أو لعب أدوار تستوجب انتشاراً خارج الحدود، مما يحد من قدرة الدولة الشاملة على تعزيز النفوذ الإقليمى.
ينطلق الدور الإقليمى المصرى الراهن من حسابات تتعلق بالداخل المضغوط ومحدود الموارد، وهو أمر نزع منه القدرة على تحقيق الفاعلية، لكن ذلك لم ينَل أبداً من اتساقه الأخلاقى، وسلامة توجهه القومى.